Uncategorized

وداعاً هشام جعيّط.. المثقف الموسوعي

ساسي جبيل

غيب الموت المفكر العربي الكبير هشام جعيط عن عمر ناهز 86 عاماً، وقد ولد في عام 1935 بالعاصمة تونس، ودرس في «المدرسة الصادقيّة»، وتعلم الفرنسية ثم التحق بدار المعلمين العليا في باريس، وحصل على شهادة التبريز عام 1962، ليعمل أستاذاً في الجامعة التونسية.. تَوزَّعَت أبْحاثُهُ العديدة بين تاريخ الإسلام المُبكّر، وتاريخ إفريقيا وقضايا الحوار بين الإسلام والغرب، والثقافة العربية والحداثة وعلوم الأديان المُقَارَنَة.
قدم جعيط للمكتبة العربية مجموعة قيمة من المؤلفات والدراسات والبحوث منها: «الشّخصيّة العربية الإسلامية والمصير العربي»، «أوروبا والإسلام: صدام الثّقافة والحداثة»، «أزمة الثقافة الإسلاميّة»، «الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية»، «الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المبكّر»، «في السيرة النبوية1- الوحي والقرآن والنّبوّة»، «في السيرة النبوية 2 – تاريخية الدعوة المحمدية»، ليختمها بـ«في السيرة النبوية 3 – مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام».
ويُعد الدكتور هشام جعيط من أبرز المفكرين المؤثّرين الذين ناقشوا جملة من الإشكاليات المحورية في التاريخ الإسلامي، وأهم مكونات الفكر الإسلامي والموروث الحضاري عموماً، وقد كان لمجمل أعماله الأثر العميق في تونس والعالم.
منحته تونس وسام الجمهورية ونال العديد من الجوائز أبرزها جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في الدراسات الإنسانية والمستقبلية من الإمارات العربية المتحدة عام 2007، كما اختارته المؤسسة العربية للدراسات والنشر في لبنان (شخصية العام الثقافية) لعام 2016، وتولّى الفقيد رئاسة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة» بين سنتي 2012 و2015، وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون.

الاستقلالية الفكرية
فرض جعيط نفسه في الساحة الفكرية العربية والدولية وأثارت كتاباته الكثير من الجدل والاختلاف بين الباحثين ورجال الدين في تونس وخارجها، ولكنه ظل طوال حياته محافظاً على استقلاليته الفكرية، وتجلى ذلك في شجاعته وجرأته التي تجلت بوضوح في مختلف مؤلفاته، وساعدته في ذلك معرفته الدقيقة بالتاريخ العربي الإسلامي وتاريخ الأديان والتاريخ الأوروبي والفلسفة الغربية.
وينحدر المفكر الراحل من عائلة بورجوازية تونسية عريقة، وكان والده من أبرز شيوخ جامع الزيتونة المعمور، وقد ساعده ذلك في تلقي تعليم ديني مبكر نهل فيه من الفقه وعلوم الحديث ومختلف العلوم الشرعية الأخرى، وكانت البيئة التي ولد فيها تتكون من المثقّفين والقضاة ورجال العلم والدّولة في تونس العاصمة، فهو حفيد الوزير الأكبر يوسف جعيّط وابن أخ العالم والشيخ محمد عبدالعزيز جعيّط.
قال عن مسيرته التي امتدت لأكثر من 5 عقود: «في فترة الدراسة في فرنسا، اخترت في وقت ما الابتعاد عن الميتافيزيقا لأنها حيّرت ذهني لأنغمس في قراءات معمقة عن التاريخ العربي- الإسلامي، ويمكنني أن أقول: إن التاريخ لعب دوراً هاماً وأساسيّاً في تركيب قناعاتي وبلورتها، وربما لهذا السبب لا زلت مهووساً بمعجزة وجود العالم، ووجود الحياة».
لاقى كتاب جعيط «أوروبا والإسلام» الذي نشره في سبعينيات القرن الماضي رواجاً كبيراً في الغرب وترجم إلى اللغتين الإسبانية والإنجليزية، وهو يقول عنه: «لم يكن يهدف إلى تقديم إنجازات أوروبا بطريقة مدرسية وإنما هو استقراء للثقافة الغربيّة، وتأمل في مصيرها»، ويقول في هذا الإطار: إذا ساهم المفكّرون الحداثيون في إغراق الإسلام في اغترابه، فإنّنا سنشهد دون شكّ في غضون جيلين أو ثلاثة عودة إلى تمسّك الإسلام بقواه الأكثر عمقاً، لكنّنا نسلّم حينئذ بأنّ في الإسلام طاقة تجدّد ووحدة في المصير تحتاج كلتاهما إلى الإثبات. (أوروبا والإسلام، صدام الثّقافة والحداثة، ص 124).
أما في كتاب «الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي» فيؤكد جعيط أنّ تجديد الفكر العربي قد لا يأتي من المشرق بل من المغرب المتمزّق قطعاً، فإن أمكن التّأسّف لكون النّهضة الفكريّة لم تكن في مستوى النّهضة السّياسيّة في الجناح الغربي من العالم العربي، فإنّ الاتّجاه العامّ لا يمكنه أن يتّجه إلاّ إلى الأعلى، أمّا في المشرق فقد توقّف التّقدّم الّذي طرأ في الماضي، بحيث صار يمكن اعتباره تقهقراً ثقافيّاً أكثر منه ركوداً أو التواء. (الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي، ص7).
ومثل كتابه عن تاريخ الكوفة رؤية جديدة ومتجددة للتاريخ الإسلامي، وإثر ذلك انشغل بسيرة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وبقضية الوحي منجزاً حول هذا المجال كتباً مثيرة للاهتمام.

المثقف الموسوعي
ولعب هشام جعيط دوراً بارزاً في مسيرة الفكر العربي من خلال الآثار الفكرية والحضارية المرجعية التي تركها للأجيال الحاضرة والقادمة، حيث لمْ يَكُنْ مُؤَرِّخًا فَحَسْب، وهذه حرفته التي شُغِفَ بها وأبْدعَ فيها، لكنه نَالَ أيضاً مكانةً علميةً عالية، قلَّ نَظِيرُهَا، في مجالات معرفية أخرى، وكان مُثقفاً بالمَعْنى الرَّحْبِ للكلمة، فألّف في قضايا فكرية وهواجِسَ معرفِيّة ومباحِثَ فلسفية مُتعددة، شَغَلَتْ النخَبَ الفِكرية والسياسية منذ ستينيّات القرن الماضي، حيث تعُودُ أُولَى كِتَابَاتِه إلى تلك الفترة الثريّة بالجدل الفكريّ في المشرقِ والمغربِ العربيين، وكان في مَسِيرَتِهِ رافِعاً لِوَاءِ حرّيةِ التعبير والتّفكير والرّأي العميق.
ويُمكن تنزيل هشام جعيّط، المؤرّخ والمفكّر العربيّ ذي الصّيت العالميّ، في التّقاطع الثّقافي والحضاري بين العرب والغرب، بما هو تقاطع يعبّر عن جرح مفتوح بعدُ في الوعي العربيّ الرّاهن، وهو جرح يمكن اختزاله في التباس علاقة العرب بالحداثة. والرّاجح أن مختلف كتابات جعيّط تعبّر عن هذا الوعي الرّاهن حتّى وهو يتقصّى حيثيّات السّيرة النبويّة أو يتقصّى رسوم المدينة العربيّة وقد تجلى ذلك من خلال أطروحته الفذّة عن الكوفة.
ويبدو أنّ هناك فكرة أساسيّة ما فتئت تتنامى في كتابات جعيّط منذ «الشّخصيّة العربيّة والمصير العربي الإسلامي» وصولاً إلى كتابه الأخير «التّفكير في التّاريخ، التّفكير في الدّين»، وهي فكرة الإيمان التي يبدو أنّه كان يتعهّدها في كلّ مرّة ليميّزها عن الإيديولوجيا الدّينيّة، ومن ثمّ فقد جعلها منطلقاً يؤرّخ استناداً إليه، وبعبارة أخرى، فإنّ هشام جعيّط كان يؤرّخ للإيمان بوصفه حقيقة تشقّ جدل التّاريخ، وبالفعل فقد كان حريصاً على أن كشف أوهام الإيديولوجيا الدّينيّة، وهو يعتبر أنّ ذلك هو المدخل للمصالحة بين الدّين والحداثة، وربّما لذلك يعترض بعضهم على مشروعه باعتباره قد نزّل الإيمان منزلة المسلّمة المتعالية على التّاريخ، فمهمّة المؤرّخ بهذا المعنى هي أن يجلو الغبار عما يعتبره الحقيقة المثاليّة التي من شأنها أن تصون الشّخصيّة العربيّة، وأن تنحت كيانها التّاريخيّ. 

الاقتضاء المنهجيّ
ومن المؤكّد أنّ هشام جعيّط كان يعرف موقف المعترضين عليه وكان ملمّاً بالاقتضاء المنهجيّ حيث للإيمان حضور في التّاريخ، فهو، أي الإيمان حتّى وإن كان موقفاً وجدانيّاً، فرديّاً أو جماعيّاً، فإنّه يجري تدبّره مؤسّساتيّاً، وبخاصّة ضمن مؤسّسة الدّين، وهذا ما يدرجه ضمن التّاريخ، إلاّ أنّ المؤرّخ ليس مجرّد موثّق أو موظّف في أرشيف التّاريخ وإنّما هو بالأساس مفكّر في حركته ومتعقّل لإمكاناته، أي أنّ المؤرّخ يضطلع بمسؤوليّة تجاه الحقيقة التّاريخيّة، وتقع عليه أيضاً مهمّة التّفكير في حلول للمشاكل التي يطرحها التّاريخ، ولعلّ أكثر المشاكل إلحاحاً في تقدير جعيّط، هي مشكلة العلاقة بين العرب والحداثة.
ومن خلال مجمل أعماله يتبدّى عمل المؤرّخ، بحسب إطلالة سريعة على مسيرته لحظة وداعه، عملاً مزدوجاً: صياغة وعي البشر بالحقيقة كما تشكّل تاريخيّاً، والتّفكير فيه أيضاً بمنق النقد المنهجي والعقلانية.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى