Uncategorized

«نازلة دار الأكابر».. التنوير في مواجهة التقاليد

محمود إسماعيل بدر (أبوظبي)

تعيدنا رواية «نازلة دار الأكابر» للتّونسية أميرة غنيم، إلى الحياة في تونس في ثلاثينيات القرن الماضي إلى ما بعد ثورة الياسمين 2011، لتميط اللثام عن أسرار شخصية المفكر الإصلاحي، الطّاهر حداد، الذي مثل حضوره ضمن النّسيج التخييلي للرواية رمزية تعيد الاعتبار لشخصيات وطنية مرموقة من التاريخ العربي الجماعي، تعرضت بسبب مواقفها الفكرية إلى القهر الاجتماعي، ودفعت غالياً ضريبة دفاعها عن التّحرر في سياق أيديولوجي يقدّس المحافظة والتقليد، ومنهم حداد، ذلك الشاب الزيتوني، ابن الجنوب التّونسي، الذي أعرضت عنه الحاضرة، لما بدا فيه من طابع تنويري سبق عصره، فكاد له أصدقاء الأمس وقطعوا السبل أمامه، كانت مصيبته يوم احتفاله بتوقيع كتابه «لامرأتنا في الشريعة والمجتمع» شديدة لا تتحملها الجبال، فقد رفض مصلحاً ومفكراً تنويرياً، وكفّره المتشددون بعد أن نال من التحصيل العلمي الكثير في جامع الزيتونة، وعاد عاشقاً ذليلاً بعد أن رفضه علي الرّصاع زوجاً لابنته. 

  • أميرة غنيم

عنوان الرواية الحائزة جائزة وزارة الثقافة التونسية كومار لسنة 2000، يوحي بدلالات تبرز هوية مكان أحداث الرواية، فالنازلة هي المصيبة، ودار الأكابر هي مقر دار الأعيان، حيث كتبت لنا غنيم برؤية استشرافية في محور القص عن الطبقية والاستغلال والعنف والتطرف، واحتكار المعرفة والسلطة والجهل والظلامية وفحوى التنوير والتحديث، كما كتبت عن عذابات المقهورين، معليةً صوت من لا صوت لهم في مجتمع لا يحبّ أن ينصت إلاّ لنفسه، هذا المجتمع الذي أعدم الطاهر حداد من دون محاكمة، أعدمه رمزياً بأن صادر حقّه في التفكير، وحكم عليه بالخرس المؤقت، حتى أنصفه التاريخ. 
«نازلة دار الأكابر» التي تنافس في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، في نسختها الرابعة عشرة 2021، رواية جريئة في أسلوب القص والحكي، بالإضافة إلى جرأتها في كشف المستور عن غوايات الأكابر، وإبراز عيوبهم، مسلّطة الضوء على «ماخور الرّجال» وهو من المواضيع المسكوت عنها اجتماعياً وفي الأدب، وما يجري خلف الأبواب المغلقة من طبقية حتى بين الخدم، لتغدو الرواية سرداً تاريخياً يحفظ الذاكرة الحكائية الأنثوية التونسية. ولعل أهم ما في تقنية وبنية هذه الرواية، هو توظيف التاريخ لجانب «التخييل» الذي كان منبع السرد، فتوظيف الأحداث التاريخية جاء لخدمة السرد، ذلك أن هدف غنيم ليس السرد التاريخي، بل الحكي الروائي من زاوية معتمة في تاريخ تونس الحديث، حيث وظفت بذكاء الحدث السياسي والاجتماعي والسياقات الثقافية، بل والاقتصادية في طي الإحالات على الحاضر. تتمتع رواية غنيم بصور فنية ولغة رشيقة، ونفس تخيلي بارع، من دون أن تبتعد عن تشريح واقع اجتماعي يتسم بالنفاق والعنف والمحسوبية والانتهازية.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى