Uncategorized

مبارك الخيصي نـديم البـرّ – صحيفة الاتحاد

إبراهيم الملا

«ياني هوا نسناسِ/ يِنْهَلِّ/ عُقُبْ وهْيَاتٍ وحَرّ
قلبي ذِكَرْ ما ناسي/ ما حَلِّ/ قبل يبين الفجر
يا مِن بِلِيْ بأهواسِ/ مِعْتَلِّ/ ومْجَسّي بالصّبر 
بي من هواه أجناسِ/ مِطْرِ لي/ طَلْق اليديل أسمر»
تتوافد ظواهر الطبيعة بمختلف صنوفها إلى حضرة الشعر، ليبدأ مبارك الخيصي – شاعر البرّ والبداوة الأصيلة – كما يوصف، بتفعيل مخيلته في هذا المختبر الإبداعي اللصيق بتجربته الحياتية المفعمة بنكهة الصحراء، وبمنظر السهوب الممتدة من أول البصيرة إلى آخر البصر، مشتبكاً في ذات الوقت مع عاطفته المشبوبة، ذات الدافعية التعبيرية المنبثقة من صورة المحبوب وتفاصيل الهوى واستعادات الذاكرة.

يبدأ شاعرنا في مطلع القصيدة بالتوصيف الحسّي للثنائيات المحتدمة في الطبيعة، وأبرزها ثنائية البرد والحر، المتناوبان في تشكيل مزاجه الشعري، فمع هبوب هواء النسناس البارد، تبدّل حال شاعرنا من الضيق والتأفّف والشكوى، إلى حال مغاير ومشبع بالأنس، والتودّد، والانتباه للجمال بجانبيه المادّي والمعنوّي، لقد تحوّل الوهج اللافح للقيظ «وهْيات وحرّ» إلى برودة منعشة فجأة، وكأنها تصبّ من مكان مجهول، لتحيِيَ مشاعر خافية ومطمورة منذ زمن، مذكّرة القلب بما سها عنه ونساه «قلبي ذكر ما ناسي»، وذلك حتى قبل ظهور النهار وانبلاج الفجر «قبل يبين الفجر»، مؤكداً بذلك قدرته الشعرية اللافتة على الربط بين الخارج «هبوب النسيم» وبين الداخل «يقظة الذهن واختلاج الفؤاد»، مشيراً في قصيدته «المثلوثة» والمميزة ببنائها وأسلوبها، أن رصيده المتراكم من الهواجس وتبعات الصبر، هو رصيد بلغ حدّه، ولا بد من تحجيم سطوته، وتخفيف وطأته على الروح والجوارح، قائلاً: «يا مِن بِلِيْ بأهواسِ/ مِعْتَلِّ/ ومْجَسّي بالصّبر»، مذكّراً المتلقي بمدى معاناته من الهجر وغياب المحبوب وانطفاء حضوره، وذلك ضمن كلمات محدّدة وذاهبة للبّ المعنى، ولكنها مؤلمة في ذات الوقت، كلمات مثل: «البلاء، العلّة، القسوة» لينسج بذلك شبكة من التوصيفات الموحية والدقيقة التي يصبح فيها «التضادّ» هو ملح القصيدة، وهو المتحكّم في بنيتها وطريقة سبكها.
ونرى في البيت الرابع من القصيدة المَعْلَم الواضح للتباين الجمالي المحفّز للذاكرة البصرية لدى المتلقّي، حيث يقول مبارك الخيصي: «بي من هواه أجناسِ/ مِطْرِ لي/ طلق اليديل أسمر»، مشدّداً على قيمة التمايز عند استحضار صنوف الهوى وأجناسه، إنه الهوى المستند إلى ظروف الزمان والمكان، وما يحيط بهذه الظروف من تحولات وتغيّرات تتراوح بين المعاينة والتخيّل، والرؤية والتصوّر، واليقين والتكهّن، مُشَيِّداً صرحاً من الخيال كأّنّه الحقيقة، صرح يسكنه المحبوب بلونه الأسمر وجدائله الطويلة، فكلما طرى بخاطره هذه المحبوب، زاد انهمار الصور والشواهد والأوصاف، وصارت الأماني أقرب للتحقّق، والظمأ أقرب للارتواء.
يكمل شاعرنا مبارك الخيصي قصيدته العذبة، قائلاً: 
«خدّه شرا القرطاسِ/ مِشْهِلِّ/ ومن الدِّجَرْ يَسْكِر
ما با عليه قياسِ/ بالكِلِّ/ وأنا به مِفْتِخِر
وغَزْلِ الهوى يا ناسي/ مِزْمِلّ لي/ واساديه إبّصَر
عندي فكر وإحساسي/ ومْخّلّي/ واتْنَقّى م الغِزَر»

يقودنا الشاعر هنا إلى مسارٍ حِسّي تذوب وتنصهر داخله المعاني الفخمة، كي تتشكل لاحقاً على هيئة قوام شعري باذخ، يبرق بلمعانه، فيأسر الألباب ويخطف الأبصار، مشيراً إلى أن خدّ محبوبه أرقّ من القرطاس، وأن أحداقه الساحرة، والعميقة السواد، تصيب الناظر إليها بالحيرة والبهتان، وكأنه في سكرة لا خلاص منها، طالما التقت العيون، وغامت الحواسّ في ثمالتها وجنوحها، موضحاً أن هذا المحبوب لا مثيل ولا شبيه له، لذلك فهو يفتخر به أمام الخلق، ويغزل خيوط الهوى من أجله بتمكّن ومهارة، ويمنحه شعراً خاصّاً ومكتنزاً يختلف عن أشعاره الأخرى، فشعره الغزلي معتنى به جيداً، وينبع من فكر متجلّ وإحساس عميق، لذلك تأتي الكلمات منتقاة وكأنها دانات نفيسة ومُستخلصة من بحر الشعر الغزير.

الغزل وديناميكية القصيدة
ولد الشاعر مبارك بن هاشل الخاصوني الكتبي، المعروف بمبارك الخيصي عام 1905م في منطقة «الحفيرة»، وهي مورد ماء تقع في جهة الجنوب الشرقي من قرية «مليحة» في البادية الوسطى بإمارة الشارقة، وينتمي شاعرنا لقبيلة بني قتب الكريمة التي سكنت تلك البادية وتماهت معها، وباتت معالمها البيئية والمناخية جزءاً أصيلاً وحاضراً بقوة في قصائد مبارك الخيصي التي استحضر روح البداوة في السهل الأوسط من الدولة الذي يشمل مناطق «الذيد»، و«الفاية»، و«البحايص»، و«وشاح»، و«فلج المعلّا»، و«الرفيعة» ومناطق سيح غريف، مثل: «المدام»، و«الشويب»، و«الهير»، وغيرها.
ويذكر الباحث الدكتور راشد المزروعي أن الخيصي، فقد والده وهو ما زال رضيعاً، فتكفّلت والدته بتربيته، وعندما صار شابّاً بدأ يكدّ على الإبل كحال أهل البادية، ثم انتقل في الأربعينيات الماضية إلى رأس الخيمة، ليعمل مع الشيخ صقر بن محمد القاسمي حتى استلامه للحكم في العام 1948م وظل شاعرنا ملازماً للشيخ صقر ولم يفارقه حتى وفاته، وسكن الخيصي بمنطقة الخرّان برأس الخيمة، التي تزوج فيها واستقر بها حتى رحيله.
ويوضح المزروعي أن الشاعر مبارك الخيصي عمل لفترة في مكتب التطوير الزراعي بمنطقة «مليحة» في الشارقة، وهو المكتب الذي كان تابعاً لمجلس الإمارات المتصالحة، أيام الاستعمار البريطاني، وظل يعمل هناك حتى عام 1970م، حيث ألغي المشروع بعد قيام دولة الاتحاد، وعرف الشاعر الخيصي على مستوى الإمارات بنباهته الشعرية وطيب أخلاقه وصدقه وتواضعه، ممّا حبّبه للجميع، وكان مربيّاً للإبل، وخاصة إبل السباقات، وله مشاركات كثيرة وتحديّات في هذا الميدان مع بقيّة ملّاك الإبل، في وقت لم تكن فيه هناك دورات رئيسة لسباقات الهجن بالإمارات، وإنّما كان السباق يجري في السيوح والمناطق المستوية، وكان ذلك خلال الخمسينيات والستينيات الماضية، وله قصائد عديدة في هذا المجال وتحديّات مع مجموعة من الشعراء، أبرزهم الشاعر علي بن بخيت العميمي في منطقة الذيد، والشاعر خليفة بو عويا الشامسي في أم القيوين.
ويضيف المزروعي: «يروي كبار السن من البادية أن الشاعر الخيصي قال الشعر مبكراً ونبغ فيه وتمرّس حتى أصبح من الشعراء المعروفين في بادية المنطقة منذ الأربعينيات الماضية، ولذلك أحسب الشاعر الخيصي من كبار شعراء النبط في الإمارات خلال القرن المنصرم، وهو من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا زمن الكفاف وقلّة الموارد ثم أدركوا زمن الاتحاد وعايشوا فترة البناء والتشييد والنهضة العمرانية».
توفي الشاعر مبارك الخيصي عام 1978م ودفن بمنطقة الخران في رأس الخيمة بجانب قبر الشاعر الكبير «الماجدي بن ظاهر»، هذا وقد عاصر الخيصي في حياته شعراء مشهورين في زمنه وينتمي معظمهم لبادية الإمارات الشمالية، أمثال خليفة بو عويا الملقّب بالخليفي، الذي قضى بصحبته زمناً في «الخرّان» ومناطق رأس الخيمة وأم القيوين المختلفة، وتأثر به كثيراً في قوله للشعر، وخاصة في فن القصائد النبطية المثلوثة والمربوعة التي اشتهر بها الخليفي، ويوضح الدكتور راشد المزروعي أن الخيصي تميّز وبشكل مستقل لاحقاً بهذه النوعية من القصائد، وتفوّق بها على الآخرين، وأنه قال في هذا المجال أروع القصائد الغزلية، كما تشاكى مع الشاعر علي بن بخيت العميمي، والشاعر علي بن رحمة الشامسي، وله كذلك قصائد حوارية مع الكائنات وعناصر الطبيعة، على غرار قصائد قالها شعراء معروفون في هذا المجال، أمثال: علي بن قمبر، وسالم الدهماني، وسلطان الشاعر، وعبيد بن زعيل الشامسي.
ويؤكد المزروعي أن ثيمة «الغزل» في قصائد الخيصي كانت هي المحرك الديناميكي لبقية أغراضه الشعرية، لأنه يختم بها تقريباً معظم أشعاره، وهذا دليل على أنه كان عاشقاً، وكان يهوى الحسن، ويتعلّق بالجمال، وكانت المرأة هي لب قصائده، والمحور الذي تدور حوله أبياته مهما كانت بواعثها ومسبّباتها. 

قصيدة الثعلب
تطرّق الشاعر مبارك الخيصي في قصائده للعديد من المواضيع الذاتية والاجتماعية، ونقل لنا صوت الماضي وملامحه وأطيافه المنسيّة، وشكل نتاجه الإبداعي خريطة ذهنية نستدل بها على أشكال العيش القديمة في زمن ما قبل الطفرة، كما شنّفت قصائده أسماعنا بإيقاع المطر، ولحن البساتين، وهمس البراري، وكشف لنا مشاهد السيول والوديان، وطقوس الصحراء، وعوالم الإبل وطريقة تربيتها والاعتناء بها، إضافة لما قدمته أشعاره من لهجة صافية، هي بنت بيئتها ومناخاتها وتنوعها استناداً لمتغيرات الطقس وأماكن الترحال وخصوصية الحياة الفطرية في البادية، وما تجابهه من تقلّبات وسط أفق مفتوح على التأمّل واقتناص الومضة الشعرية لحظة ولادتها وامتزاجها بغموض قابل دائماً للتفسير.
يقول مبارك الخيصي في قصيدة (الثعلب): 
«يا ذا الثعلب لِمْهَروم/ كيف تقدر كيف تروم
ما تعرف الحشم واللّوم/ دومك قابض ها المونه
قال: أنا قبلك في الدار/ وانته ما عطيت أخبار
والسرقة على من جار/ جيه اللي أباه إتسمّونِه
إنتوا آزمتو عدوان/ فيّي ما فعلتوا احسان
م الشفاقة ع النيطان/ حتى الذّيل اتبيعونه».

 

 

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى