Uncategorized

كوستاريكا.. أساطير في قلب الحمم البركانية

نوف الموسى (دبي) 

يُحكى في أسطورة ظهور بركان بواس «Poás» الشهير في كوستاريكا، بأنه قبل وصول الإسبان، كانت الغابة تحيطها أعداد لا نهائية من طيور الـ «Rualdo»، صاحبة الصوت الذهبي، وهي طيور تتبع جنس اليوفون الأخضر، وأصبح أحدها صديقاً لفتاة شابة جميلة تنتمي لقبيلة عاشت في الغابة المحيطة، وبسبب خوفهم من الحرائق الرهيبة من روح تلك الجبال البركانية، فكر كاهن القبيلة بطريقة لاسترضاء الجبل، من خلال تقديم الفتاة الشابة قرباناً، وعند اصطحاب الفتاة المذعورة إلى حافة البركان، رفض طائر اليوفون ترك صديقته، وسعى لإنقاذ حياتها، متوسلاً من أجل الإبقاء على حياتها، من خلال الغناء بصوته الذهبي، ما أبكى بركان «Poás» الناري، وتدفقت تلك الدموع من فوهة البركان، وشكلت ما يسمى بـ «بحيرة بوتوس»، أما طائر «Rualdo» فلديه الآن ريش لافت بألوانه من الأزرق والأخضر والذهبي، ممتنعاً عن الغناء، دافعاً بصمته ثمناً مقابل صداقته.

مُدهش فعل الأسطورة في الثقافات الأصلية في كوستاريكا، تُشكل ذاكرتهم عبر عمق ارتباطهم بالطبيعة والحياة البرية، خاصةً عند تقديم امتنانهم وقت الحصاد، أو التضحية بأنفسهم لمواجهة خطر قادم، إثر تقلبات جغرافية ومناخية، إنها المرويات الكامنة في جوهر المخاوف الإنسانية، أمام تحديات رغبة الطبيعة الأم في استمرار إحداث التوازن الخاص بها، إلا أن السؤال الفعلي لكل ذاك المخزون الإنساني في العلاقة مع الطبيعة هو: لماذا تصر مجتمعات الحمم البركانية في كوستاريكا، أن تعيش بالقرب من خط النار، وكأنها تمثل امتداداً لثقافة الشعب الكوستاريكي، لماهية الأسرة التي تعد أولوية؟ فالأرض بالنسبة لهم هي «الأم»، والمرأة عموماً في أساطير السكان الأصليين هي دلالة القوة والخصوبة والإبداع.

في كوستاريكا، والتي تعني «الساحل الغني» وتشارك في «إكسبو» بمفردات تراثية عريقة لا يستطيع الإنسان التفكير بمعزل عن الطبيعة؛ لأنها جزء من المكون الثقافي والاجتماعي، إنها أسلوب حياة، يجسدها الفلاحون بشكل أساسي، خاصة مزارع القهوة فوق سفوح الجبال البركانية، حيث تكون البيئات البركانية مواقع جيدة للزراعة، يتم فيها إثراء الرواسب البركانية بعناصر من مثل «المغنيسيوم» و«البوتاسيوم»، بمجرد تساقط الصخور البركانية والرماد، يتم إطلاق هذه العناصر، ما ينتج عنها تربة خصبة للغاية، تعمل فيها الطبقات الرقيقة من «الرماد» كسماد طبيعي، وقد زرعت القهوة لأول مرة في الوادي الأوسط، وهي هضبة خضراء، تحيط بها الجبال والبراكين في وسط كوستاريكا، وهو ما يميز قهوة كوستاريكا وهي زراعتها في تربة بركانية غنية للغاية وخصبة، مشكلاً تخميراً ذا حموضة منخفضة، والذي ينال تقديراً عالياً من قبل خبراء القهوة بسبب التوازن في النكهات التي يجلبها، وربما السبب الأبرز هو مواصلة العديد من مزارعي البن بقطف كرز القهوة يدوياً بدلاً من استخدام الآلات الحديثة، والذي يضمن قدراً أكبر من التحكم في الجودة، من خلال السماح لكل كرز بأن ينضج ويطور طابعه الكامل بالنكهة قبل الحصاد، ما يؤكد الصورة الأسطورية الذاتية لكوستاريكا حول «الفلاحين الريفيين» و«سائقي عربات الثيران» متجلياً في احتفالاتهم بالمناسبات الوطنية، يرتدون فيها ملابس تدل على أنهم مزارعون، رغم أن الكثير منهم يعيش في مناطق حضرية، إلا أنهم يؤكدون مفهوم «الاكتفاء الذاتي»، الذي يشكل أساساً في الثقافة الكوستاريكية.

إلى جانب «الزراعة»، فإن عنصر «الطاقة» التي تقدمها سلسلة الجبال البركانية، يعد سبباً مهماً لعيش الكوسيتاريكيين بالقرب من أخطر المواقع الجغرافية والمناخية، يُذكر أنه عبر التاريخ، شكلت المنتجات البركانية، تعزيزاً للحياة الطبيعية التي استفاد منها البشر، من مثل زيادة مساحة ميناء في جزيرة هيماي الواقعة في جمهورية آيسلندا، بعد توقف تدفق الحمم البركانية، من بركان إلدفيل، ما ساهم في جعله ملاذاً آمناً للصيادين، لا يُمكن التنبؤ بما تستطيع الطبيعة تقديمه للحياة البشرية على كوكب الأرض، وحميمية علاقة الإنسان بـ «البركان» في كوستاريكا تحديداً، فإنها تفتح أفق الحوار حول أهمية رصد تلك التحولات الاستثنائية في مخيلة التقنية القادمة من صنع البشر، وكيفية المواءمة بين الطبيعة والتكنولوجيا، فبالإضافة إلى توفير الموارد المعدنية، فإن العديد من البلدان التي بها براكين نشطة قادرة على استخدام الحرارة الناتجة عن النشاط البركاني كطاقة حرارية أرضية، مما يوفر كهرباء أرخص للسكان المحليين، والجدير بالذكر أنه عندما ينفجر البركان، فإنه يقذف كتلة من الغبار والجزيئات، التي يمكن أن تحجب أشعة الشمس وتبريد الأرض بسرعة، محدثة توازناً بديعاً في كيفية عمله بحالة من الاستدامة اللافتة، دونما الحاجة لتدخل الإنسان.

تعرف كوستاريكا بسلاسل جبلية بركانية، منها سلسلة «جواناكاست»، تتضمن براكين مهمة من مثل بركان «أرينال» و«رينكون دي لا فيجا» وتعني «المرأة العجوز».
والسلسلة البركانية المركزية، موطن براكين «Poás» و«Barva» و«Turrialba» والأخير يرتبط بأسطورة تعود أصلها إلى فتاة شابة تدعى «سيرا» وقعت في حب محارب من قبيلة مختلفة، وهو أمر مرفوض في أعرافهم وتقاليدهم، وكانت تتسلل «سيرا» لمقابلة حبيبها، ولحق بها والدها، زعيم القبيلة، ورآهما معاً، ما جعله يغضب، ويقرر إصدار الأوامر بقتل الشاب، في تلك اللحظة، قامت الغابة بفتح كهف ضخم لإخفاء الحبيبين، محدثةً تصاعداً للدخان والبخار، أعلنت عبره مرويات الثقافة الشعبية في كوستاريكا ولادة بركان توريالبا «Turrialba».

تنتشر ثماني مجموعات من السكان الأصليين في جميع أنحاء كوستاريكا، ويعيش السكان الأفارقة الكاريبيون على طول ساحل البحر الكاريبي، تحتوي «تلمنكا» ضمن محافظة ليمون، على الجزء الأكبر من سكان كوستاريكا الأصليين، منها قبائل «بريبري» و«كابيكار»، وجميعها تشكلات ثقافية تقليدية، تنساب بالتوازي مع المهاجرين والمغتربين من «كولومبيا»، و«الولايات المتحدة»، و«كندا»، منتجين النسيج الاجتماعي الحديث لكوستاريكا، خاصة أن هناك تأثيراً وتشاركاً لكوستاريكا في طعامها وموسيقاها وأدبها بأميركا اللاتينية، بحكم تأثير اللغة الإسبانية. 
عندما بدأ الناس القدماء في كوستاريكا يتحدثون إلى تلك الجبال البركانية، فإنهم بتأكيد استشعروا همساً خفيّاً يتحدث إليهم، هناك تواصل بشكل ما أدركوه، وحاولوا فهمه طوال الوقت، ومنه اندلعت فكرة إمكانية التوقع والتنبؤ بالانفجارات البركانية، فكأنما للبركان شخصية حنونة، رغم هالة الدمار والقسوة التي تعتلي تجربة الفيضان الناري الهائل المدمر، فإن البركان بطبيعته يعطي مؤشرات، يصفها العلماء بأنها تعينهم على المراقبة من كثب، وتقديم التحذيرات للمواقع السكانية، من بين تلك المؤشرات الطبيعية حدوث زلزال صغير أو تورم وانتفاخ في جوانب البركان، وزيادة انبعاث الغازات من فتحاته، ما يمكن المراقبين من تقييم حالة البركان عندما تتشكل الصهارة، التي تمثل الشرارة لإعادة إيقاظ بركان نائم.

«صفائح تكتونية»
غالبية البراكين تتشكل على طول حدود «الصفائح التكتونية» للأرض، و«التكتونيات» من الكلمة اللاتينية القديمة «tectonics» والتي تعني «بنيوية»، ضمن نظرية علمية تصف الحركات الكبرى لغلاف الأرض الصخري. وهناك طرق مختلفة لتشكل البراكين، شرحت تفاصيلها مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» منها أولاً: اصطدام مساحات شاسعة من الغلاف الصخري بالصفائح التكتونية، وغالباً ما تغوص إحداها بعمق تحت الأخرى في ما يُعرف بمنطقة «الاندساس»، وبغرق كتلة اليابسة الهابطة في عمق الأرض، ترتفع درجات الحرارة والضغط، مما يؤدي إلى إطلاق المياه من الصخور. ويقلل الماء بشكل طفيف من نقطة انصهار الصخور التي تعلوه، مكوناً الصهارة، وثانياً: البراكين الساخنة. في هذه الحالة، يمكن لمنطقة نشاط صهاري أو نقطة ساخنة في منتصف صفيحة تكتونية أن تندفع لأعلى عبر القشرة لتشكل بركاناً.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى