Uncategorized

«قاف قاتل سين سعيد».. رصد متقن لسيرة الحرب

محمود إسماعيل بدر (أبوظبي) 

تواكب «الاتحاد» الروايات المرشحة للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية في نسختها الرابعة عشرة لعام 2021، التي تعد من أهم الجوائز الأدبية المرموقة في العالم العربي، وتدار بالشراكة مع مؤسسة «بوكر» في لندن، وبدعم من دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. وتهدف إلى مكافأة التميز في الأدب العربي المعاصر، وزيادة الإقبال على قراءة هذا الأدب عالمياً من خلال ترجمة روايات القائمة القصيرة إلى لغات رئيسة. ومنذ انطلاقتها في عام 2007 كسبت ثقة القراء والنقاد والناشرين العرب والأجانب، ودلتهم على أعمال عربية جديدة ونوعية.
رواية «قاف قاتل سين سعيد» للكويتي عبدالله البصيص، الحاصل على جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017، عن فئة أفضل كاتب عربي في مجال الرواية عن «طعم الذئب»، تسحبنا إلى متعة قلّ أن نجدها في أعمال «أدب الجريمة»، فنحن أمام رواية مفخخة بالأسئلة والتشابكات السردية الملهمة، وإن بدت من السطح أنها عمل بوليسي تقليدي، إلا أنها في العمق رواية فلسفية تثير الكثير من التساؤلات، حينما يأخذنا البصيص إلى عوالمه السردية من أحداث سياسية واجتماعية وإنسانية وثقافية شكّلت التركيبة المجتمعية للكويت في التسعينيات، ثم يعود بنا إلى الحاضر بكل إشكالياته.
إلى ذلك، يقول: «روايتي ليست عملاً بوليسياً، ولكني تعمدت شحن بدايتها بمشاهد تكتنفها الجريمة، وسياق التحقيقات، والضحايا، ثم ملت بالسرد نحو قصة أخرى مرتبطة بالأولى من حيث الفكرة العامة وإحدى الشخصيات، في توليفة مترابطة حتى لا يتشتت القارئ مع اتساع الأحداث». 
يروي البصيص في «قاف قاتل سين سعيد» قصة المحقق ماجد، الذي تمضي حياته برتابة، حتى ينكشف أمامه لغز يقوده نحو ساحات الطفولة والمراهقة الأولى، وعوالم الشخصيات التي يتصدرها «فهد»، ذلك الميت المسجّى مثل جذع نخلة تيبّست حتى كشفت عن أسراره، وفي رصد متقن لسيرة الحرب وما رافقها، وأنشودة الحنين الأول، والفراق وغياب الشخصيات المؤثرة في حياة الكاتب، ليضع القارئ أمام حالة خاصة من السرد الإبداعي الذي يكشف عن علاقته باللغة الشعرية المشحونة بالجمال والمفردات الطيّعة، لتظلل أحداث الرواية بمسحات شعرية، أضفت ألقاً على أصوات التعبير اللغوية. 
ولعل أجمل ما في تقنية هذه الرواية، اعتماد كاتبها على المذكرات والفيديوهات والتسجيلات وبعض التكوينات البصرية، وهي مفارقة لطيفة، إذ من المألوف أن تتحول الروايات إلى مشاهد وأفلام سينمائية، ولكن البصيص نجح في تحويل المشاهد والبصريات إلى نص أدبي، يقوم على أكثر من راوٍ، يكشفون في سردهم أسرار فترة ما بعد تحرير الكويت في مطلع التسعينيات، الذي يعيش فيه الأطفال «الطفولة الحقيقة» في زمن الشوارع والحارات والأزقة، زمن الربع والأصدقاء والمراهقة، زمن الطيش والحب وما يتخلله من إثبات الذات، وصراع الوجود، في زمن الهوشات والعصابات التي هي زمن فارق في مرحلة المراهقة، وقلما نجد من يعبّر عن هذه المرحلة لدى الكتاب والأدباء بتفاصيلها الدقيقة، من أمثال البصيص الذي نجح أيضاً في أن يقفز بموضوع روايته خارج صندوق الأفكار العربية، في إبداعه برسم شخصية «المراهق العربي»، متجاوزاً في دقة تصويره الكاتب الأميركي جيروم ديفيد سالينجر، الذي صور المراهق الساخر والساخط على كل شيء في الحياة، في روايته الشهيرة «الحارس»، حين جعل البصيص من مراهقه العربي ينتهج مقولة: «فليذهب كل شيء إلى الجحيم في الخارج، وليبقَ كل شيء على ما يرام داخل في المنزل». بهذا المعنى وغيره من الفضاءات المعاصرة تمثل الرواية بعداً وجودياً، عن اللامقروء في المجتمع الكويتي بالتحديد، فهي لا تمثل لغزاً في جريمة قتل، ومحاولة حله بصورة أقرب للواقعية السحرية، بقدر ما أنها تبحث عن شغف الإنسان بالمعرفة، ووخز الضمير، فما من علاج ناجع سوى البوح والاعتراف والسرد والكتابة والتكيّف مع الراهن.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى