Uncategorized

عويدين العميمي.. شاعر الآهات – صحيفة الاتحاد

إبراهيم الملا 

عن «الخرايج» شدّوا ركاب/ عوج المرافج لي ملاويح
الزين في تلعات الأرقاب/ شبه الريوم اللي مياضيح 
لي دارهم تسقي بعبّاب/ وشرايعٍ تنضح مناضيح
كم واحدٍ خلّوه مصطاب/ يونّ ونّات المجاريح 
باعنّي لهم لو أنا بلا زهاب/ ولو أنا من عظامي هوب صْحيح»

هذه مقتطفات من قصيدة طويلة للشاعر الكبير عيد بن مصبّح العميمي، المعروف باسم «عويدين»، والتي يصف فيها بدقة حركة الإبل أو الركاب وهي تنتقل من مورد المياه المالحة «الخرايج»، ومفردها «خريجة» الواقعة بين أبوظبي والعين، مسترسلاً في تجسيد طقوس السفر ودروبه والاستراحات التي يلجأ لها «الحضّار»، وهم في طريقهم إلى المنطقة الوارفة، الشهيرة بمزارعها الكثيفة ومياهها العذبة المتدفقة – ويقصد بها منطقة العين – ذاكراً في مستهلّ قصيدته التفاصيل الجسدية للإبل، فهي مائلة من ثقل معدات السفر، وأثناء ميلانها يظهر بياضها المختبئ تحت مرافقها، دلالةً على أصالتها وجمالها، «عوج المرافج لي ملاويح».
هناك في منطقة العين تبدأ تباشير الفرح والاستئناس بالمكان، بعد رحلة مرهقة دونها الكثير من التعب والعناء، ولكنه التعب المنجليّ، والعناء المتلاشي، عند رؤية المحبوب، في هذا المحفل الزاهي بالمناظر الطبيعية المبهجة، القادرة على تعويض مشاقّ السفر ومكابداته، لقد جاءت غنائم الفرح من مصدرين متلازمين: صورة المحبوب، وجماليّة المنظر الخارجي، «الزين في تلعات الإرقاب/ شبه الريوم اللي مياضيح» و«لي دارهم تسقّي بعبّاب/ وشرايعٍ تنضح مناضيح»، لتكون المقاربة هنا بين الذات والموضوع، هي المقاربة الأنسب لدمجهما في سياق واحد، وضمن بيتين شعريين متلازمين في المقصد والوجهة، فوصف المحبوب متداخل مع وصف الطبيعة، وارتواء البصر من جمال المحبوب بعد العطش العاطفي، شبيه تماماً بارتواء الجسد بعد العطش الحسيّ، ويكشف لنا هذا التناغم بين الدالّ والمدلول عن قدرة الشاعر «عويدين العميمي» على اقتناص اللحظة الشعرية في أوجّ تأثيرها عليه، كي يرصدها ويعاينها ويعمل على توثيقها في أبياته بكل عنفوانها وجاذبيتها واستحواذها على أذهان ومشاعر المتلقّين لها، وكأنها اللحظة الباقية التي لا يمكن للنسيان أن يمحوها، ولا يمكن للوقت أن يجرفها وسط انشغالات الحياة، وتغيّرات الظروف. ويذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – كان معجباً بهذه القصيدة، وكان يرددها، ويتغنّى بها بين مرافقيه، ويستحضر المزروعي رواية الشاعر سالم بن عاضد المهيري حول قصة هذه القصيدة مع الشيخ زايد، عندما كان المهيري مرافقاً له خلال السبعينيات الماضية، وكان معه في السيارة في رحلة بالمنطقة الغربية «ليوا والظفرة»، حيث كان زايد يردّد مطلعها: «عن الخرايج شدّوا ركاب/ عوج المرافج لي ملاويح»، وكذلك المقطع الآخر من القصيدة، والذي يقول فيه الشاعر عويدين: «شفت الغضي مرحٍ على الباب/ صغير ونهوده مطافيح»، ولأن زايد لم يكن يقول القصيدة كاملة، فقد اعتذر لمرافقيه، وكان يتمنى حفظ جميع أبياتها، ما جعل الشاعر سالم المهيري يلقي القصيدة أمام الشيخ زايد كاملة، فسرّ بذلك، وفرح كثيراً، وأثنى على الشاعر عويدين، وعلى أسلوبه المميّز وأوصافه العجيبة.

نشأ متنقلاً بين أبوظبي ودبي 
ولد الشاعر عيد بن مصبّح بن عبيّد العميمي في البادية الواقعة بين إمارتي أبوظبي ودبي، وكان صاحب لقبين معروفين هما: «عويدين» و«عيّادي» وكلاهما تصغير لاسمه الأول «عيد»، حيث كان يتقبّل المناداة بهما بصدر رحب ويعتزّ بهما أيّما اعتزاز. وتباينت المعلومات المتعلقة بسنة ولادته ووفاته، إذ يذكر الباحث الدكتور حماّد الخاطري في الجزء الثالث من كتابه «أعذب الألفاظ من ذاكرة الحُفّاظ» أن عويدين العميمي ولد عام 1875م، وتوفي عام 1975م، أي أنه عاش مائة عام، بينما يشير الباحث الدكتور راشد المزروعي في الجزء الأول من كتابه «أعلام الشعر الشعبي في دولة الإمارات» إلى أن العميمي ولد عام 1902م وتوفي عام 1987م ولعلَّ هذا التباين في التواريخ مصدره اختلاف الرواة عند ذكرهم سيرة الشاعر والمواقف التي جابهها والشخوص الذين عاصرهم. ويذكر الدكتور حماّد الخاطري في ترجمته للشاعر عويدين أنه نشأ متنقلاً في بادية أبوظبي من ناحية إمارة دبي، والتي تشمل مناطق «الكريّه، والعشوش والنهشلة وسويحان، وأبو صلف، والطّف» وله من الإخوة عبيد وعلي وخلفان، وأن عويدين هو عمّ الشاعر الكبير قمّاش العميمي، ويضيف الخاطري أن الشاعر عويدين مات ولم يعقب إلّا بنتاً واحدة، توفيت قبل أن تتزوج، وكان عويدين في بداية حياته من رجال الشيخ خليفة بن شخبوط آل نهيان حاكم أبوظبي، واستمر في عمله ضمن رجال الشيخ حمدان بن زايد بن خليفة آل نهيان حاكم أبوظبي، وامتهن في فترة أخرى من حياته مهنة الغوص في إمارة أبوظبي.

شعر غزلي
الباحث الدكتور راشد المزروعي، فيشير إلى الملامح الإبداعية، والطرائق الأسلوبية في قصائد عويدين العميمي، مؤكداً على ارتكاز شعره على عنصر الغزل، وأن معظم ما قاله من شعر غزليّ جميل صيغ بأسلوب «الونّة» ذي الصدى الآسر في القصيدة النبطية، وهو أسلوب تحاك فيه الكلمات بسياق عذب، وتزخر فيه المفردات بعناصر الشجن والوجد ورجع الذكريات، ويصف المزروعي قصائد الونّة بأنها قابلة للتغني بها وترديدها، لأنها ذات وقع حسن في الأسماع، وتجعل المتلقي متفاعلاً مع أجوائها ومناخاتها الحسيّة والمعنوية، أمّا لحنها الشجيّ فيأخذ بالألباب وتعشقه الأنفس وتطيب له، وكان ذلك سبباً في انتشار أشعار عويدين العميمي في مناطق الطفّ والعين، وتوزّعها تالياً عن طريق الحفظة والرواة إلى جميع أرجاء الإمارات، فأصبح لها وقع خاصّ بين قصائد كبار شعراء النبط المحليين، وفي مجالس الأدباء والوجهاء وعند البدو أثناء أسمارهم في الليالي المقمرة، ويصف المزروعي عويدين بأنه شاعر فذّ لا يقلّ شعره و«ونّاته» عن أشعار سعيد بن عتيج الهاملي، وجويهر الصايغ، ومحمد بن خميس المزروعي، أولئك الشعراء الذين نبغوا في بحر «الونّة»، فأبى إلّا أن يكون واحداً منهم. ويقول المزروعي: إن عويدين العميمي يستحق لقب «شاعر الآهات»، نظراً لازدحام قصائده بالكلمات المعبّرة عن اللوعة والوجع والأنين، عندما يستعيد محطات مختلفة من حياته، وعندما يتناول وجع الفراق، ويوثّق الأماكن التي لها وقع مؤثّر عليه، والتي سرعان ما يغادرها ويغادر من ألفهم وأحبّهم هناك، صانعاً من شعره مصائد للحنين ومنفذاً للسلوى وترويض الأحزان.

راشد المزروعي: صاغ مدحه في «الزين» 
يذكر الباحث الدكتور راشد المزروعي أثناء حديثه عن السيرة الشعرية لعويدين العميمي أنه لم يعثر في شعره على أغراض المديح أو الشكاوى أو الاجتماعيات، وباستثناء القصائد الغزلية التي صاغها بأسلوب «الونّة» وطغت على شعره، فإن قصائد «الردح» التي قالها يمكن مقارنتها بقصائد شعراء كبار أبدعوا في هذا المجال أمثال: سعيد بن سرور المزروعي، وعيسى بن شقّوي العليلي، وعوشة بنت خليفة السويدي، وسعيد بن هلال الظاهري، وغيرهم من قامات الشعر الشعبي.
ويضيف المزروعي أن ميزات وخصائص هذه الونّات والردحات الجميلة عند عويدين، تكمن في الوصف البليغ والتصوير الدقيق، لما يكنّه الشاعر في داخله من أشواق وغرام نحو المحبوب، كما أن أغلب ونّاته تبدأ بذكر رياح «الكوس» التي تهبّ في مواسم الخريف من جهة الشرق، مبشّرة بتحسّن الطقس وهطول الأمطار، وقد صاغ كل مدحه في «الزين» أي الجمال النسائي بكل تجليّاته الظاهرة وبكل حمولاته الخفيّة، موثّقاً بذلك للإبداع الرومانسي في القصيدة الشعبية، ومعبّراً عن النفس ومشاعرها الجيّاشة ليربط بين الخاص والعام، والذاتيّ والجمعي، وهنا نموذج من قصائده الغزلية التي يستهلّها بذكر رياح الكوس، حيث يقول: 
كوسٍ جاذي هواً له/
 يذكّر من صبر
عفته منامي كلّه/
 وألحق عيني سهر
من بو هداب مظلّه/
 وبو حجّاتٍ سُمُر
وعقصين وردّن له/
 على نهوده حِدَر

 

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى