Uncategorized

علي بن شمسه.. ترجمان العشّاق

إبراهيم الملا

«سار الكِتاب ولا لِفا ردّ / كنّه عِدَمْ قِرطاس لَحْباب
وإلّا المِدادْ انثاع وانسدّ / درب الهوى وتغلّق الباب
مدري دخل في فكرته حدّ / وإلّا طرى له طاري وْهاب
لو هو تعذّر عِذْرَه يسدّ / بدْري يِلَنّ الحظّ ما صاب»
يتفنّن الشاعر الكبير علي بن غيث السويدي، الملقّب بـ «ابن شمسه» في تطريز وزخرفة قصائده بالمفردات الفخمة والمشعّة، وذات الصدى الوجداني الأليف والمتآلف مع هوى المحبين المستوعبين لمكابدات الغرام، وعذابات الصبابة، والعاجزين في ذات الوقت عن ترجمة أحاسيسهم المضطرمة في قالب شعري يواكب الفورة اللاهبة في أعماقهم، لذلك فإن قصائد «ابن شمسه» باعتباره من كبار شعراء الغزل المحليين، تتحوّل عند هؤلاء المحبين المكتوين بصمتهم، إلى ترجمان لعشقهم، وإلى مكسب تعويضيّ يمرّرون من خلاله اللغة المثالية المعبّرة عن حالهم، والناقلة لتأوّهاتهم ولواعجهم وأشواقهم.

تؤكد القصيدة الواردة أعلاه على قوة الجانب التعبيري لدى «ابن شمسه»، وعلى تمكّنه من تشكيل مفرداته بدقة بالغة، تشبه دقّة الصائغ المستغرق في حفر ونحت وتزويق مشغولاته ليمنحها البريق الذي تستحقه، والجمال المُعبّر عن قيمتها الغالية، يقول شاعرنا إنه بعث بكتابه للمحبوب، ولكنه لم يتلقّ الردّ، وفي هذه المسافة الذهنية المليئة بالحيرة والسؤال والترقّب، صار المجال الشعري مُتهيّئاً للتأويل والافتراض والخيال والتمنّي، كما صار مجالاً خصباً للحوار الداخلي (المونولوج) والذي تتناوب فيه الأبيات بين العتب والتبرير، وبين اللّوم والصفح، وبين الطمأنينة والقلق، فها هو شاعرنا يقول مباشرة في الشطر الثاني من مطلع القصيدة: «كنّه عِدِمْ قِرطاس لَحْباب» مقدماً تبريره قبل عتابه، فهو يعيد سبب عدم الردّ إلى خلوّ الأوراق لدى محبوبه، مفترضاً في البيت الثاني وجود مبررات أخرى مثل نفاد الحبر، وبالتالي لا يمكن لوم المحبوب على صمته وعدم ردّه على الرسالة، ولكن سرعان ما يستدرك شاعرنا جملته السابقة وهو قابع في قلب حيرته، ليتنقل من حُسْن النِيّة إلى وسوسة الشكّ، ومن هدأة التبرير إلى قلق الظنّ، فيقول: «مدري دخل في فكرته حدّ / وإلّا طرى له طاري وْهاب»، وهذا التحوّل المفاجئ سبقه تمهيد بانت ملامحه بشكل واضح في الشطر الثاني من البيت السابق والذي يقول فيه: «انسدّ درب الهوى وتغلّق الباب»، إنها الانعطافة المعاكسة التي بدت مستندة على الغيرة، باعتبارها الهاجس الشرس لدى المحبين، والمربكة لحساباتهم، والمهيمنة بقسوتها وسوادها على أفكارهم، لتقودهم تالياً إلى استجلاب النوايا السيئة، والتخيّلات الداكنة، والتكهنات السلبية، حيث يفترض المحبّ وجود شخص منافس له، استحوذ على قلب محبوبه، فانحرفت بوصلة الهوى باتجاه مغاير، وصار الإهمال أو عدم الردّ أو التغافل نتاجاً طبيعياً لهذا الانشغال بالعاشق الجديد، المسيطر، وصاحب الحظوة.
في البيت الرابع يورد الشاعر «ابن شمسه» عبارات تخفّف من وطأة الشك، وتفتح فضاءً جديداً يرمّم في داخله معالم «الثقة بالنفس» والتي أصابها الظن السيئ بالعطب والتلف والتشوّهات، قائلاً: «لو هو تعذّر عذره يسدّ / بدْري يِلَنّ الحظّ ما صاب»، فهذا الترميم أو إعادة الثقة بحاجة فقط للاعتذار، فهو يسدّ كل الدروب المحيلة لسوء التفسير، وضبابية التعيين، وبالتالي يمكن لمياه الوصل أن تعود لمجاريها، وأن يظفر المحب بالطمأنينة، حتى لو كانت هذه الطمأنينة مؤقتة، فقط من أجل جبر الخواطر، واحتمال وطأة الصبر، وما ينطوي عليه من هجر وحرمان والتياع.
في الأبيات التالية من القصيدة، يستعيد الشاعر على سبيل السلوى صفات محبوبه، ويبدع في إيجاد حلول ومخارج لحيرته وظنونه وشكوكه، ليجعل الأمثولة الغائبة حاضرة وحيّة في بصره وحواسّه، ضمن صور متدفقة من خزين خياله وذكرياته، وكأنها بنت اللحظة، والمُتسيّدة على المشهد كله، قائلاً: 
«غرٍّ خَلْج قدّ وحسن خدّ / شروات برقٍ بين لسحاب
حبّه بقلبي لدّني لدّ / كنّي لديغ بلاسع النّاب
أو كنّ بي من مِرْهِفْ الحدّ / في كفّ لا يرحم ولا يهاب 
عليك يا بو عقصٍ أسود / يحشى من العنبر والاطياب»

  • عبدالعزيز المسلم
    عبدالعزيز المسلم

شاعر غنائي بامتياز
يصف الباحث الدكتور عبدالعزيز المسلم «ابن شمسه» بأنه شاعر عذب، وانتقائي جداً في اختيار كلماته، يرصّع شعره ويزينه بجواهر التعبير النفيسة، قائلاً عن قصائده: إنها غنائية بامتياز لأنها تنطلق بصدق من ذات مرهفة، توازن بدقة بين بهجة الوصل ولوعة الفراق، ولذلك أتت قصائده الغزلية آية في الجمال وفي روعة الوصف وعمق المعنى وقوة البناء، شكلاً ومضموناً وصياغةً، مثل تلك القصيدة الجميلة التي يشتكي فيها من غياب محبوبته وفقدانه لها، حيث يشبّه نفسه في القصيدة «بالقعود المفرود» أي المعزول عن أمه، قائلاً: 
«يا تلّ قلبي تلّ (مفرود) / لي ينخشع بالحَبِل وِيْقاد 
على وليفٍ خان لعهود / خَذّ ما بقى منّي ولمراد
شمّت هل المقصد ولحْسود / ناسٍ لهجره تبذل أجهاد
سهرت ليلي والمَلا رْقود / وأرقب إييني خبر ليْحاد»
… إلى آخر القصيدة
ويورد المسلّم ملاحظة مهمة حول بعض قصائد «ابن شمسه» المتجاوبة مع التحولات الاجتماعية، خصوصاً بعد ظهور سيارات الدفع الرباعي «اللاندوفر» في الخمسينيات، والتي كان يُطلق عليها «الجيب» كاسم شائع ومتداول بين الأهالي، وهي السيارات التي أنهت تماما طقوس ومشهديات القوافل والرحلات التقليدية على ظهور الإبل، خصوصا ما يتعلّق بالحضّارة وأهل الساحل أثناء سفرهم إلى مناطق المقيظ، ومن أشهر تلك القصائد التي يقول فيها ابن شمسه:
«ياراعي الجيب الخضر سوق / واسرع بسيرك قبل الاغواق 
خذني بلا صايب ولا حقوق / وأنا بحبّه صرت مشتاق»
أما الباحث الدكتور راشد المزروعي فيصف «ابن شمسه» بشاعر المكان، حيث وثّق العديد من الأمكنة التي مرّ بها أو استقرّ فيها، مضيفا أنه صاحب أسلوب رنّان وعفوي، ومُصاغ بطريقة شعرية صارخة، مضيفاً أن معظم أشعاره تتركّز في الغزل، ويغلب عليها فن الرّدح، مع قليل من القصائد المرتبطة بالمدح والمناسبات الاجتماعية، ولذا يعدّ من كبار شعراء الغزل في الإمارات، حيث تشتهر له العديد من القصائد المعروفة والتي تحولت إلى أغان شنّفت آذان أهل الإمارات لفترة طويلة من خلال أشرطة الكاسيت المتداولة في ذلك الزمان، ومن أشهر تلك القصائد المغنّاة: «سار الكتاب» و«يا زين ما سوّيت بي زين» و«يا راعي الجيب الخضر سوق»، و«يا زين ما رحّبت بي ليش».


  • راشد المزروعي
    راشد المزروعي

نبوغ مبكّر
ولد الشاعر علي بن عبدالله بن غيث السويدي في منطقة ديرة بدبي عام 1900م، وتوفي – رحمه الله – بمدينة الذيد في الشارقة عام 1978م ولقب بـ «ابن شمسه» بسبب اعتناء والدته شمسه بنت محمد بو الشوارب به، وهي من قبيلة بني كِتب الكريمة، وذلك بعد وفاة والده وهو لم يزل طفلاً صغيراً، ويذكر الدكتور راشد أحمد المزروعي، في دراسة استقصائية له عن الشاعر، أنه من عادة المواطنين في ذلك الزمن تسمية الطفل باسم أمه، خاصة إذا تكفّلت برعايته بعد وفاة والده، مضيفا أن لقب «ابن شمسه» ظل ملاصقا له طوال حياته، حتى أصبح فيما بعد اسم أسرته وعائلته حتى يومنا هذا.
ويرد في الدراسة أن والد شاعرنا كان شيخ دين، أو «مطوعاً»، كما كان يطلق عليه في ذلك الزمان، نظراً لمعرفته بالقرآن، وحفظه له، ولإمامته للصلوات اليومية لجيرانه، وقد انتقل هذا المطوّع بعائلته الصغيرة، ليعيش مع نسبائه في مناطق العوير والخوانيج، اللتين كانتا تعتبران من مناطق البادية بدبي.
 تربّى «ابن شمسه» في صغره على عادات وتقاليد أهل البادية في شجاعتهم وكرمهم وأخلاقهم وشعرهم الذي كان يحرص على الإصغاء إليه، وبعد أن اشتد عوده التحق بأرباب السفن في ساحل دبي وعمل بمهنة الغوص لفترة قصيرة، حيث سرعان ما انهارت سوق تجارة اللؤلؤ في الثلاثينيات من القرن الماضي، ما اضطر شاعرنا للعودة مجدداً إلى أخواله في البادية، حيث ظهرت في هذه البادية بوادر نبوغ «ابن شمسه» في مجال نظم القصيد النبطي، خاصة أنه كان يعيش في منطقة تزخر بشعراء كبار، أمثال: ابن يدعوه، والمطروشي، وابن زنيد، وابن حميّد، وغيرهم من شعراء البيئتين الساحلية والبدوية، فبدأ يقرض الشعر وخاصة الشعر الغزليّ.
وقد تزوّج في تلك الفترة من ابنة خاله، إلا أن تلك الزيجة لم تطل، فقد توفيت زوجته، فحزن عليها حزنا شديدا، ورثاها بالكثير من القصائد، مثل تلك القصيدة التي يقول فيها: 
«يا وجد حالي عقب مضنون / طال الزمن وأنا أتريّاه
الناس بالهنيّا يغضّون / وأنا منامي ما أتهنّاه
العيد ما عيّدت محزون / حزنٍ طويلٍ وقلّ لاماه
يا ليت لي ساروْا يردّون / ويردّ من له حبّ ميراه» 
وبعد تلك المرحلة المؤلمة في حياة شاعرنا – كما يشير المزروعي – قرر الذهاب مرة أخرى لمدينة دبي والاستقرار عند أحد أقربائه وهو الوجيه سالم بن حمّوده السويدي، والذي عرّفه بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ليعمل شاعرنا مرافقاً له، وتعلّم مهنة الصقارة وتربية طيور الصيد، وشارك في العديد من رحلات القنص حتى بداية الخمسينيات الماضية، قبل أن يذهب إلى البادية الوسطى بالشارقة، ليتزوج من جديد من إحدى كريمات حمّاد بن خليفة الكتبي، مستقرّاً مع والدته وأنسبائه وأسرته الصغيرة، وعاش «ابن شمسه» سنوات عدّة في البادية الوسطى، متنقّلاً ما بين مناطقها، كالذيد، والصجعة، وفلج معلا، والرفيعة، والمدام، وغيرها من المناطق، يقول الشعر ويتغنّى به، وينظم القصائد الغزلية المرهفة والمفعمة بالجمال والتعابير المدهشة، جاذباً أسماع الناس، ولافتاً أنظار المطربين الشعبيين الذين تهافتوا على قصائده ولحنّوا وأدّوا الكثير منها، فذاعت ألحانها وانتشرت إيقاعاتها وكلماتها العذبة في مناطق الدولة المختلفة. ويوضح المزروعي في دراسته أن «ابن شمسه» استغل وجوده مع أولئك الشعراء، ليقوّي نبوغه في قول الشعر، فتشاكى معهم طويلاً، ومع الشيخ صقر بن سلطان نفسه، فقال في تلك الفترة أجمل قصائده وأعذبها، وظل في وظيفته حتى العام 1962م تقريباً، حيث ترك الخدمة، وظل متنقلاً ما بين الذيد ومنطقة الساحل، يقول الشعر الجميل، ويتشاكى مع الشعراء من مختلف مناطق الإمارات، ليعود فيما بعد لمدينة الذيد ويستقر فيها مع بدايات قيام دولة الاتحاد.

سيرة حياتية
يرد في السيرة الحياتية للشاعر «ابن شمسه» أنه عمل بعد استقراره في بادية الشارقة مرافقاً للشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة الأسبق، وكان ذلك في نهايات الخمسينيات الماضية، وكان من ضمن حرسه الخاص مع جملة من زملائه من الشعراء، أمثال: محمد بن رويّه، والشاعر علي بن رحمة الشامسي، وغيرهما من رجالات البادية.

 

 

المصدر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى