Uncategorized

عبدالله بالمرّ شاعر النّهمات – صحيفة الاتحاد

إبراهيم الملا

«كل ما أتذكّر خاطري ناس / زاد الهجر في حالي نقوص
الله أكبر يا هي أهواس / تطري على بالي وأنا أغوص
ويدقّ قلبي دقّ الأجراس / وآصيح كنّي تقول مقروص
وننصي المغاص ونيب لخماس / من لجّ وين القوع مخبوص»

يصف الشاعر عبدالله بن خميس بالمرّ المهيري في القصيدة أعلاه، التفاصيل الدقيقة المتناوبة بين طقوس ومتطلبات مهنة الغوص، وبين هواجسه ومشاعره الداخلية المرتبطة بين هذه المهنة، ويبدو واضحاً هذا التلاطم العنيف بين أمواج الذات وأمواج البحر، وبين الغوص الفعلي في أعماق المياه، والغوص الافتراضي في أعماق النفس، إنها لعبة المرايا التي يقحمنا فيها الشاعر كي نستشعر حجم المتاهة الضارية التي يعيشها، وقسوة المعاناة التي يختبرها، وهو بعيد عن أهلّه وخلّانه وأحبابه، مكتنزاً بالصمت وسط الصخب، وممتلئاً بالعزلة وسط الضجيج، مترجماً المفارقة الحسيّة بين ظاهر الحال وباطنه: (الله أكبر يا هي أهواس / تطري على بالي وأنا أغوص) «فالأهوس» – أي الهواجس والشكوك والظنون هي المسيطرة عليه قبل أن تسيطر عليه الأهوال الحاضرة والمحيطة به في غياهب البحر، بحثاً عن اللؤلؤ القابع وسط الرمال السحيقة، والقيعان المعتمة من أثر الغبار المتراكم (من لجّ وين القوع مخبوص)، وكلمة (مخبوص) تصوّر بدقة حالة المكان وحالة الشاعر نفسه، حيث المخاوف المتدافعة والمتداخلة، لا تترك مجالاً للتفريق بين الوهم والحقيقة، كما أن التجاذب العنيف بين الهبوط إلى الماء والصعود منه، يحيل جسد الغوّاص إلى كتلة من الذعر: (ويدقّ قلبي دقّ الأجراس / وآصيح كنّي تقول مقروص)، وهذا التشبيه البلاغي الذي يورده الشاعر، لم يأتِ من فراغ، ولم يستند على خيال صرف، بل أتى من اختبار حقيقي، وفعل ملموس، وقلق شرس يخترق الروح.
وما يميز المقاطع الأولى من هذه القصيدة، ارتقائها إلى المصاف القصائد الشعبية النادرة التي وثّقت المشاعر الداخلية للغاصة، ونقلت بصدق ووضوح معاناتهم وسط الأزرق الكبير، وهي مشاعر لا يمكن ترجمتها بكل هذه الشفافية والنفاذية إلّا إذا كان قائلها مبدعا في نظمه، ودقيقاً في وصفه، وصاحب مخزون لغوي وافر، وقادر على توظيف المفردات الشعرية في سياق يجمع بين الجزالة والسرد والاسترسال والمعايشة والبوح المحكم في شكله وإيقاعه وتأثيره.

  • راشد المزروعي
    راشد المزروعي

يكمل شاعرنا عبدالله بالمرّ قصيدته المميزة، قائلاً: 
«كلّه لَجِلْ مدقوق للعاس / لي ما شكا في الحسن منقوص
سيد المها مفروق لضراس / تَرْفِ الصِبا بو خصر مخموص
من دون وصله سيوف واتْراس / جند وحَرَسْ عن سطوَة لصوص»
يكشف لنا الشاعر في المقطع الأخير من قصيدته عن مبررات صبره على المعاناة، وعن قوة عزيمته الداخلية تجاه المشاقّ المرتبطة بمهنة الغوص، ويقولها بشكل صريح وجليّ: «كلّه لجل مدقوق للعاس»، أي أن كل التبعات السابقة هي تضحيات مجيّرة لصالح محبوبته، المرتقبة بشوق لرؤيته، والمنتظرة عودته هناك في الساحل البعيد، كما أن البيت الافتتاحي في القصيدة تضمّن إشارة دالّة على هذا المقصد، وإن لم يكن بالوضوح والتحديد والتعيين المكتمل في الأبيات الأخيرة، (كل ما أتذكّر خاطري ناس / زاد الهجر في حالي نقوص)، فهذا المفتاح الدلالي كان بمثابة عتبة لتجاوز الحالة المشهدية المضطربة حسّياً وبصرياً عند تناول تفاصيل الغوص، ولتصبح هذه العتبة هي الممهدة للدخول إلى فحوى القصيدة والغرض من نظمها، فهي موجهة في الأصل لمن امتلك الخاطر وسيطر على الفؤاد، وبالتالي تهون كل المصائب والأهوال من أجل الظفر به، والإقبال عليه بنشوة المنتصر، القادر على تخطّي المحن، وتقديم مهر افتراضي للمحبوب يتمثّل في القوة والشجاعة والرجولة والعنفوان، كما أن الأوصاف التي يذكرها الشاعر تجعل من محبوبته جوهرة تتفوق على كل لآلئ البحر وكنوزه، فهي: «سيد المها» و«ترف الصبا»، و«بو خصر مخموص» و«ما شكا في الحسن منقوص»، وكل هذه الصفات النادرة والكمالات المتحققة، تستحق المجازفة والتضحية والالتحام مع الخطر وخوض المعارك المنظورة والمستترة: (من دون وصله سيوف واتْراس / جند وحَرَسْ عن سطوَة لصوص).

قصائد شبابية بين كبار السن 
ولد الشاعر عبدالله بن خميس بالمرّ المهيري في عام 1908م بمنطقة اللزيمة الساحلية في إمارة أم القيوين، وتوفي – رحمه الله – في عام 1941م، وهو في زهرة شبابه، حيث لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره. ويذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في الجزء الثالث من كتابه (موسوعة أعلام الشعر الشعبي بدولة الإمارات) أن قصائد الشاعر عبدالله بن خميس بالمرّ كانت تتردد بين كبار السن في المناطق الشمالية، وخاصة في أم القيوين، حيث كان الناس يتغنّون بأشعاره ونهماته البحرية، ومن أشهر أبياته المتداولة:
«وش حيلتي قلّ احتيالي / يوم بخير وعشر ميهود
الأوّل يلّي من ضاق بالي / فرّج عليّه ترف لخْدود
واليوم بي ضاق المجالِ / لا ناشدٍ عنّي ومنشود»
حيث تلخّص هذه الأبيات معاناة الشاعر مع المرض في سنواته الأخيرة، والمرض الذي أصابه في صدره كان يسمى في المنطوق الشعبي «الوهف»، ويشير المزروعي إلى أن شاعرنا ومع اشتداد مرضه في أواخر أيامه لم يستطع إنجاز موسم الغوص وطلب من زملائه في السفينة إعادته لمنطقة (اللزيمة) عند أهله وابنه الوحيد، فأنزلوه أولاً بمنطقة (الجميرا) في دبي لقربها من مكان السفينة، وهناك قضى ليلته على شاطئ البحر، وقال قصيدته الأخيرة التي اخترنا منها المقاطع التالية:
«في مباتي شفت روياتي / لي جرى لي هوب مِخْفنّه
آه أنا باونّ ونّاتي / بالبكا لو تنفع الونّه
كان حلم الليل ثبّاتِ / خبّرنيِه كان قارنّه»
ونستشفّ من هذه الأبيات أثر المرض عليه، واستحواذ الأوجاع على جسده الضعيف، وتوثيقه لصرخاته المؤلمة، وكأن القصيدة هي لسان حاله، في المكان الموحش والغريب، ولعل قصيدته الأخيرة هذه تقدّم لنا ما يمكن تسميته (قاموس العذاب)، باعتباره خاتمة الرحلة الحياتية القصيرة التي تفجّرت فيها موهبة الشاعر، وهي موهبة بدت وكأنها بنت التجربة المكتملة بالألم والهجر والأنين، ولكنها أنتجت في نفس الوقت جواهر شعرية نفيسة، ومقاطع عذبة يندر العثور على مثيل لها في سجلات الشعر النبطي ومروياته.
وفي وصفه لشاعرنا بالمرّ، يذكر الشاعر المعروف محمد بن صنقور من دبي والذي عاش فترة طويلة من حياته في أم القيوين، بأنه كان رجلاً استثنائياً، وشاعراً بليغاً، قائلاً: «زاملته وجالسته كثيراً، ورأيت فيه الاعتزاز بالنفس، وكان والده معروفاً ومجلسهم مفتوح مصاريعه أمام الجميع، وعندما يأتي للسوق، كان يلفت الأنظار بوسامته وشخصيته الجميلة القوية».
وعن السيرة الحياتية لعبدالله بالمرّ، يقول المزروعي بأنه أمضى طفولته في بيت كبير بين خدم وحشم، تحت ظل والده رجل البحر و«نوخذا» الغوص المعروف الوجيه خميس بالمرّ المشهور في أم القيوين لدى العامة والشيوخ، وكان لديه مجلس كبير «سبلة» يستقبل فيه ضيوفه، وزوّاره، وفي نفس الوقت كان إماما للمصلين، وحافظاً وقارئاً للقرآن، وطبيباً شعبياً يقرأ القرآن على المرضى».
ويضيف المزروعي: «في هذه الأجواء ترعرع شاعرنا وهو يرى والده يقود السفينة إلى مغاصات اللؤلؤ، وعندما كبر رافقه في رحلاته، وأصبح فيما بعد أحد أركان السفينة (هاوريه) وهو ما زال في سن الصبا».

لوعة من البحر
رغم خوض شاعرنا عبدالله بالمرّ مغامرة الغوص، واشتغاله في البحر، إلّا أنه من خلال دراسة أشعاره – كما يوضّح الدكتور راشد المزروعي – يتّضح لنا أن معظم قصائده التي قالها وهو على ظهر السفينة، تعبّر عن مدى لوعته وأساه وتذمّره من البحر، خاصّة أنه كان شاعراً مفوّهاً، والشعراء في سن الشباب، يرغبون في الحريّة والتغزّل بالجميلات من النساء، ويكرهون الابتعاد عن ديارهم، الأمر الذي لا يتوفّر في مواسم الغوص الطويلة والمرهقة، لذا فقد أحس شاعرنا بالوحدة والكبت والامتعاض، مما زاد من حزنه ونقمته وهو وسط البحر، ولذلك كان يفضّل دوما الذهاب مع عائلته على ظهور الإبل إلى المقيظ في واحة فلج المعلاّ في برّ أم القيوين، التي كانت تزخر في فصل الصيف بالرطب والمياه العذبة، ويذكر الرواة أنه كان يلتقي في فلج المعلا بالشاعر الكبير علي بن رحمه الشامسي، وكان صديقه ونديمه في الشعر، وبجانب ذلك كان لديه إبل يحتفظ بها في البر القريب من منطقة «اللزيمة»، حيث يرعاها ويعتني بها، وهو دليل آخر على حبّه للبرّ وكرهه للبحر وأهواله.
ويصف المزروعي قصائد عبدالله بن خميس بالمرّ بأنها تكاد تقطر منها دموع الغرام واللوعة والعشق، وهو الملمح الأهمّ في شعره، فقد كان رغم قصر حياته محباً وعاشقاً ويهوى الجمال، وهي عادة الشعراء الذين يبدعون غزلياتهم العذبة في من يحبّون، كمتنفّس وحيد لبث مناجاتهم الداخلية، وتمرير رسائل الشوق والحنين والذكريات.

 

المصدر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى