Uncategorized

عالَم من دون حواجز لغوية

ترجمة وإعداد: عزالدين عناية
بقلم: ستيفانو أَلِيافي

ثمة تلهّفٌ على تعلّم العربية في العالم، يقابله غياب مؤسسات رائدة ترعى ذلك الدور، وراصدة للحراك اللغوي العالمي. وهو ما يجعل العربية تتطوّر بين أهلها أكثر ما تتطور بين أحبائها ومريديها ومحتاجيها، وهو خلاف ما يجري مع لغات أخرى محصورة الناطقين، مثل الألمانية والإيطالية وغيرهما. وفَهْم قوانين العرض والطلب التي تتحكم في اللغات، أو بعبارة أخرى مقتضيات «السوق اللغوية»، هي مسألة حيوية لأي لغة من اللغات، ولكن الشيء الأهمّ، كيف نحافظ على التنوع اللغوي والثراء اللهَجي، الشبيه بالتنوع البيئي، لأنه يمثّل دعامة من دعائم الذاكرة الجمعية للبشرية. فالعديد من اللغات واللهجات مهْما تصاغر حجمها، هي مكون من مكوّنات النظام اللغوي العالمي، وجزء من أجزاء هذه اللوحة الفسيفسائية المتداخلة، وكلما غابت إحداها انطفأ نور وخيّمت ظلمة. ثمة أملٌ لغوي يرصد ملامحه عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي في هذا المقال، تتوزع بشائره بين سائر الألسن.
يتهدّد نصف اللغات الموجودة في العالم في الوقت الحاضر الانقراض، ويمكن لتلك اللغات أن تتوارى خلال الخمسين سنة القادمة، ولكن من جانب آخر، وبالفعل، تخطو التكنولوجيا خطوات معتبَرة إلى الأمام، في الحفاظ على اللغات، وفي إعادة إحياء الميّت منها، ولكن بالخصوص في تحسين جودة الترجمة الآلية والسماح بالتواصل الفوري.
فمن الصعب تعريف لغة ورسْمُ حدود لها، ذلك أنّ التقديرات العالمية التي تسعى إلى حصر أعداد اللغات تتراوح بين الأربعة آلاف والأحد عشر ألفاً، ولكنّ التقديرات الأكثر رواجاً تدور حول النصف. ويحصي مؤلف «لغات العالم» (Languages of the world) سبعة آلاف لغة، وتوجد خمسة آلاف منها فقط في 22 دولة (فمثلاً دولة بابوا غينيا الجديدة الواقعة قرب إندونيسيا، التي لا يفوق عدد سكانها ثمانية ملايين، تُعدّ أكثر الدول تنوعاً على مستوى اللغات، إذ تَعدّ 820 لغة). وتتمحور المسألة الجوهرية في التعريف، كوننا نميل أيضاً إلى القول -وبشيء من الاعتداد: إن اللهجة ليست سوى لغة مهزومة على مستوى تاريخيّ، وعلى مستوى آخر فاللغة هي لهجة منتصرة لأنها مدجّجة بعدة وعتاد.
الواقع أنّ التبدل اللغوي هو بمثابة الحاوية المتجدّدة التي يصعب داخلها تمييز جملة من العناصر، وذلك لأسباب تاريخية تصنعها سلسلة من الأقدار المختلفة. فعلاوة على عناصر الافتراق والتمايز، ثمة عناصر التشابه والتقارب التي تسمح بالفهم المتبادل (ربما الحالة المتعلقة باللغة الهندية واللغة الأوردية جلية في هذا السياق، ولأنهما مكتوبتان بأحرف مختلفة، ولأسباب تحيل على انتماء دينيّ مغاير، فقد ظلّ التفاهم على مستوى شفوي وعلى مستوى النطق في منتهى الوضوح، وهو ما ينطبق على غيرهما من اللغات في أوروبا وفي العالم).
وكيفما كان العدد المقدَّر، وأيّاً كانت الأسباب التي يتطوّر جرّاءها الاختلاف اللغوي، فنحن اليوم نعيش سياقاً متسارعاً من الاندثار اللغوي. فما يزيد على نصف اللغات الموجودة، التي تناهز 3800 لغة، لا يتجاوز عدد الناطقين بالواحدة منها عشرة آلاف متحدّث. في وقت يُقدَّر فيه العدد لمحافظة لغة على وجودها بحوالي 100 ألف ناطق (إذ تفوز 1239 لغة ببلوغ هذه العتبة، وهي نسبة تقارب 18 في المئة من المجموع العامّ). ما يعني أنّ نصف تلك اللغات يبقى مرشّحاً للاندثار في الخمسين سنة القادمة، بحسب «أطلس اللغات المهددة» لليونسكو: سواء لتواري المتحدثين بلغة ما أو لأسباب الهجرة، أو كذلك بسبب الذوبان في لغة مهيمنة، في حال الثنائية اللغوية.
وكما هو الحال في التنوع البيئي، ففقدان لغة –ربما بسبب تهشيم أنظمتها البيئية، بالمقارنة مع ما هو طبيعي- من المؤكد أنه خسارة ثقافية. وفي الوقت نفسه ثمة عناصر أخرى فاعلة مثل الانتخاب الطبيعي، والتنافس الدارويني، والبقاء للأصلح. ويمكن للّغات أن تنبعث مجدّداً، كما هو الشأن بالنسبة إلى القوميات والعرقيات والهويات (عادة بآثار جانبية إشكالية: وإن حصل ذلك فهو يتقرّر على مستوى تاريخي). وهو ما حصل مع بعض اللغات الأوروبية المرتبطة بالأقليات، حيث الإلزام باستعمال اللغات المكتوبة، ما قلّص من فرص التنوع (فكلّ لغة لها طابع الهيمنة على غيرها من اللغات…). كما يمكن أيضاً الانبعاث، كما حصل مع العبرية الحديثة الـ«عبريت».
ولكن العنصر البارز الذي يمكن أن يُدخلَ بعض التحويرات على المشهد هو التكنولوجيا. وليس الأمر فقط فيما يتعلق بإمكانية الحفاظ على اللغات السائرة في طريق الانقراض، في ذاكرات جانبية (مكتوبة ومسموعة ومرئية)، وهو ما يجعلها قابلة للانبعاث عند الحاجة، أي بما يشبه ما يحدث في علم النباتات، أو كما هو متخيّل في عالم الحيوانات المنقرضة.
الشيء المستجدّ حقيقة، وهو ما سيكون له وقعٌ كبير، أنّه يرجّح، وفي وقت وجيز، تخطّي معايير الترجمة البشرية المتخصّصة من قِبل مترجمِين آليّين، أكان للّغة المكتوبة أو المنطوقة. وهو ما سيسمح بتواصل فوريّ، بصرف النظر عن لغة المنطلق، وبما سيسمح بفرص الحديث مع الحفاظ على اللغة الخاصة، مع حصول التفاهم، ودون الحاجة إلى وسيط. أكان هذا في الحياة اليومية أم في عالم الإنتاج والتواصل. وأفكّر هنا في ما سيحصل في المجالين الأكاديمي والعلمي، حيث إن لم تَنشر بالإنجليزية فذلك يعني أنك غير موجود: من جانب هناك تشكّل لسوق عالمية للمعرفة، في لغة واحدة، بثمن (متواضع) بسبب التيسير في نوع من الإنجليزية الأساسية، ومن جانب آخر الفرصة السانحة لإمكانية الترجمة إلى اللغات الأكثر رواجاً، انطلاقاً بالطبع من الإنجليزية، وبالخصوص إمكانية الاطلاع على مواد أكاديمية من لغات نجهلها. ليس فقط للحاجة إلى لغة مشتركة، كما هو حاصل اليوم، ولكن أيضاً من حيث إمكانية جعل المواد العلمية والأدبية لأطراف العالم أكثر ظهوراً، وفي أكثر لغات العالم تباعداً، من خلال الحفاظ عليها جميعاً، ولربّما بعثها من جديد.
* مجلة «كونفرونته» الإيطالية بتاريخ مايو 2021

 

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى