Uncategorized

سوزان سونتاغ.. وحدود التأويل – صحيفة الاتحاد

د. رسول محمد رسول

سوزان سونتاغ (Susan Sontag) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية (1933 – 2004) راق لها في سنة 1964 كتابة مقال عنوانه «ضد التأويل» ونشرته، تالياً، في سنة 1966 ضمن كتاب حمل العنوان ذاته «Against interpretation»، واشتهرت به في عالم النقد إلى جانب مقالات أخرى عديدة.
والمقال برمته يتخذ سبيلاً منافياً للتأويل، مناهضاً له، خصوصاً أن مفردة التأويل (interpretation) كانت ضاغطة على سونتاغ، بحيث استخدمتها اثنتين وأربعين مرّة، ويتضح ذلك الضغط جلياً أنها تستخدمها في سياق أوصاف قاذعة أو سلبية وكأنّ همّها تعكير صفونا تجاه هذه الكلمة الساحرة (التأويل) في مخيالنا الفلسفي والنقدي الأدبي.
والحال أن سوزان سونتاغ لا تفهم التأويل بالمعنى الذي ذهب إليه وكرسه فريدريش نيتشه (1844 – 1900) من قبل عندما قال إنه لا وجود لحقائق بل لتأويلات فقط، وتحديداً عبارته الذائعة: «هل توجد وقائع فقط؟! أنا أودُّ القول: كلا، الوقائع على وجه الدقة لا توجد، ما يوجد فقط هو تأويلات» (1)، كما ورد في كتابه «إرادة القوة»، المنشور بعد رحيله. فسونتاغ لا تريد الدخول إلى المعنى الفلسفي للتأويل وتفرّعاته، بالنأي عن ذلك الذي قال به نيتشه، وغيره مثل مارتن هيدغر (1889 – 1976) في التأويلية، بل هي على العكس من ذلك ترى أن التأويل يعني «انتقاء مجموعة من العمل برمته، ومُهمة التأويل هي حقاً مهمة ترجمة» (ص 18) أو تحليل.

تأويليات الأمس
تستعرض الباحثة الأميركية سونتاغ جذور التأويل لدى أفلاطون، وأرسطوطاليس، وتشير إلى الرواقيين، وفيلون السكندري. وتعتقد أن «التأويل استراتيجية جذرية للاحتفاظ بنص قديم من خلال ترقيعه» (ص 18)، وجاء حكمها هذا في نظرتها إلى تجارب التأويل القديمة التي تتبرّأ هي نفسها من قيمتها، كما أن «المفسِّر Interpret لا يفعل سوى تعديل أو تبديل في النص من دون محوه أو إعادة كتابته، ولكنه يعجز عن الإقرار بذلك، فيزعم أنه يوضّحه فقط بأن يميط اللثام عن معناه الحقيقي» (ص 19)، وتلك كانت مهمة كبيرة وعظيمة بذلها المؤوِّلون القدامى، فماذا عن التأويل المعاصر؟
تقول سونتاغ: يكنُّ «التأويل الحديث عدائية an open aggressiveness، وازدراء contempt واضحاً للمظاهر» (ص 20)، لكن تبقى المظاهر دليلاً إلى قاع الدلالة ومضمونها وعالمها، وكان نيتشه يقول: «اللآلئ توجد في الأعماق». وتقول هي إنه إذا كان «التأويل القديم لجوجاً، ومليئاً بالإجلال insistent، but respectful»، فإن «الأسلوب التأويلي الحديث ينقّب excavates، ويدمِّر Destroys، ويحفر خلف النص It digs behind the text لاكتشاف نص تحتي هو النص الحقيقي» (ص 20).. وهل في ذلك سُبة؟

فلاسفة تأويل
وتعتقد سونتاغ أن «أكثر العقائد نفوذاً وشهرة، مثل نظريتي كارل ماركس وسيجموند فرويد، هي في الواقع أنظمة معقّدة من الاجتهادات التأويلية، أي من نظريات تأويلية عدائيّة Aggressive وآثمة Impious» (ص 20)، وهذه العدائيّة التي تزفها سونتاغ غير مقبولة، إذ تعتقد، بعد أن تعرض لنماذج من تأويلات هذين المفكّرين المشهورين، بأنها «تأويلية تعود إلى الفهم»، ولكن هل في الفهم تراجُع وإثم في حد ذاته؟ وهي تجزم بأن «الفهم يعني التأويل، والتأويل يعني إعادة صوغ الظاهرة، أي فعلياً إيجاد معادل لها» (ص 20)، وهنا السؤال: ماذا عن تقديمك لقصّة فيلم أنتِ تخرجينه، ألم تصوغي الظاهرة وتقدميها سينمائياً؟ إن الصياغة هي جوهر العمل الفني.
وتؤكّد كذلك بأن إيجاد «معادل» سببه فعل تأويلي لا يروق لها، ولذلك تدعو إلى أن «التأويل نفسه لابد أن يخضع للتقييم ضمن رؤية تاريخية للوعي البشري» (ص 20)، وهذه بادرة تاريخانية إصلاحية جيدة ولكنها مقرونة بإصرارها على ازدراء التأويل من جانبها شخصياً. وتضيف أن التأويل هو «فعل تحرّري Liberating act، إنه وسيلة للمراجعة، وتناقل القيم»، وفي ذلك بعض رجاء بحيث يكون التأويل فعلاً تحرّرياً من العمى والغموض والتيه في المضامين. ولكنّها تعتقد أيضاً أن التأويل هو «الهروب من الماضي الميت»، وهي دعوة قد تبدو محقة إلا أنها محفوفة بمخاطر اعتبار كل الماضي ميتاً وهي لم توضّح ذلك! وإلى جانب هذا تعتبر سونتاغ أيضاً التأويل «رجعياً Reactionary، وصلفاً Impertinent، وجباناً Cowardly، وخانقاً Stifling» (ص 21). وهذه مغالاة شديدة الجذريّة في مناهضتها وتحاملها على التأويل كمفهوم وكممارسة.
وتُكرِّر سوزان سونتاغ هذه الدعاوى السلبية أيضاً عندما تصف عصرها بأنه: «عصرٌ مشروع التأويل وفيه ما هو رجعي إلى حدِّ كبير، وخانق على غرار الغازات المنبعثة من عوادم السيارات والصناعة الثقيلة التي تلوِّث أجواء المدن» (ص 21).

انتقام الفكر من الفن
ولعل ملفوظ «رجعي» في سياق هذه العبارة ربما يعود إلى ثقافتها الماركسية، أما أن يكون التأويل شبيهاً بالعوادم فذلك تسطيح ظالم لظاهرة التأويل التي هي هبة إلى الإنسان يستطيع عبرها المحافظة على الهواء النقي بين الناس، وما نقدها هنا للتأويل سوى انصياع أعمى وراء مناحي الدراسات الثقافية التي لم تحتفِ بالتأويل كمزية نافعة كونه يذهب إلى العمق ويحتفي بعوالمه، حيث تتمادى سونتاغ، في هذا السياق، لتقول: «إن التأويل هو انتقام الفكر من الفن» (ص 21).
ولعل العكس هو الصحيح، فلقد أغنى التأويل المعارف والفن، وأوصل معنى الفن إلى الناس، وزاد من مكانته مقاماً رفيعاً عندما راح الفن يتباهى بنفسه بين بقية المعارف، وحرَّره من العمى المحيط به وجعله وسط النور. والواقع أن سونتاغ -بحسب رونان ماكدونالد – تعبّر بذلك عن «تشوشها وانزعاجها من الانتهاك الذي يحدثه استخدام المنهجيات العلمية في التأويل داخل حقل الفنون» (2)، بحيث وصل -التشوُّش- إلى عدائية غريبة في خطابها المعادي للتأويل.
وفي هذا السياق تعتقد أن «التأويل يجعل الفن قابلاً للإدارة والانصياع» (ص 22)، وهنا لا يؤدي التأويل بالفن إلى هذا التسطيح، لا إدارة سيئة ولا انصياعاً أعمى، فالتأويل لا يمارس سلطة الإخضاع بالقوة لأن من طبعه أنه ينفتح على الوجود بحرية لا قسر فيها. 

تسليع الفن
وترى سونتاغ أن «الخشونة philistinism تتفشى في التأويل بالأدب أكثر من أي فن آخر» (ص 22). ولعلها غير محقة وهي تتحدّث عن النماذج التي ذكرتها وأنها قد وقعت تحت نير وظلم التأويل عندما تتعرّض إلى الاشتغالات التأويلية عليها من جانب آخرين، أو أولئك المبدعين الغربيين الكبار الذين تترسّخ حولهم التأويلات في العصر الحديث كما القديم.
وفي الوقت الذي تقول فيه سونتاغ، إنه «لا يهم إن كان الفنانون يريدون أو لا يريدون لأعمالهم أن تخضع للتأويل» (ص 23)، تؤكّد أيضاً أن «التأويل ينتهك الفن» لكونه «يحوِّل الفن إلى سلعة» (ص 25)، وتؤكّد أن «الهروب من التأويل يبدو بصورة خاصّة إحدى سمات الفن الحديث» (ص 25)، فإنها تتوقّع أنه بإلغاء المضمون سينتفي التأويل في الفن، وكأن المضمون هو روح التأويل، وأن الفن إذا ما لجأ إلى المضمون شديد الوضوح فلا حاجة عندها للتأويل، ولكن التأويل ليس من مهامه البحث عن الأحجيات الغامضة، وإنْ فعل لكي يفك شفرتها، وحتى في الأعمال شديدة الوضوح سيجد ضالته ومرحه وغناءة.

وبدلاً من التأويل بكل ما له وعليه تقدم سونتاغ، في خاتمة بحثها، رؤيتها قائلة: «بدلاً من هرمينطيقا الفن نحن بحاجة إلى حسيّة أو إيروتيكا الفن» (ص 25). وهي هنا تستخدم مصطلح (Hermeneutics) الذي ظهر مرتين في بحثها بدلاً من (Interpretation)، ويتضح بذلك موقفها المناوئ للتأويل، سواء كان فلسفة هرمنطيقية أو أداة تفسير للمعنى والمضمون، وبدلاً من ذلك تقترح علينا استبدال المنظومة التأويلية التفسيرية في قراءة الحياة والوجود والطبيعة بالمنظومة الحسيّة أو الإيروتيكية (Erotics) الظاهرة صراحة بقولها: «نحن بحاجة إلى إيروتيكا الفن»، ففي «مقابل النظرية الأكاديمية وسعي سونتاغ إلى تمتين أساسات النقد الأكاديمي من خلال تحويله إلى شكل من أشكال علم الميكانيكا تدافع هي عن مجموع العمل الفني غير القابل للقسمة» (3)، لكنها تضعنا في دوامة تسطيح بعيدة عن المضامين الثرية، ولا تريد لمضمون العمق أن يظهر، ذلك المضمون الذي يسعد ويحتفي التأويل به إذا ما تصدّى له لتغرق سونتاغ في عوالم الدراسات الثقافية التي سعت إلى تسطيح الوعي الإنساني والإبداع الإنساني بعيداً عن عمق المضمون.

1. Nietzsche (F); The Will to Power، trans. Walter Kauhnann and R. Hollingdale. Section: 481,2. P 67. (Pdf).
2. رونان ماكدونالد: موت الناقد، ترجمة: فخري كريم، ص 142، دار العين والمركز القومي للترجمة، القاهرة 2014.
3. رونان ماكدونالد: موت الناقد، ص 142.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى