فنون وثقافة

د. عبدالله الغذامي يكتب: حديث طه حسين

نشأت مع القراءة منذ صغري وكنت تراثياً فيما أقرأ وأتذوق، وكنت أهيم بلغة الكتب التراثية وأشعر معها أني أرتقي بنفسي من اللغة اليومية إلى لغة تضعني في مصاف مؤلفي البيان والتبيين والكامل والعقد الفريد، وفي الوقت ذاته كانت كتب طه حسين والعقاد متاحةً في مكتبة المعهد العلمي بعنيزة، مما شبكني معهما بقوة، ولكني كنت ميالاً لطه حسين بأكثر من صاحبه، وفي مرة فتحت على إذاعة القاهرة كعادتي كلما مددت يدي للراديو، وفي تلك اللحظة سمعت متحدثاً يتحدث عن لغة القرآن الكريم بحديث منساب ومسترسل مع صوت رخي ليس من أصوات مذيعي القاهرة الذين تعودت على أساليبهم وأصواتهم وإيقاعات ألفاظهم، وأخذني صوت المتحدث في سياحة ذهنية لدرجة الذهول من ذلك الصوت وتلك اللغة الهينة اللينة لكنها قوية ومتعمقة مع تفنن المتحدث بتقليب الأساليب وتنويع القول، واحتواني الصوت واللفظ مع تعاليه في تصوير لغة الوحي وتفتيح صيغ التعبير وتفتيق الدلالات، وبلغ إعجابي بالحديث لدرجة ظننته من الملائكة إذ لم تتعود أذني حينها وكنت في سن مراهقتي على مثل هذه الحالة من الاحتواء والاستحواذ الذهني والذوقي والدهشة الروحية. وامتد الحديث مدة تشبعت فيها روحي حقا بذلك البهاء الفاتن والصوت الشفيف. وحين انتهى المتحدث تدخل المذيع، وقال: أيها السيدات والسادة كنا نستمع لحديث عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. وهنا أحسست بالطرب والإعجاب بنفسي وذوقي وعقلي، حيث أحسست أن أعجابي بأسلوب طه حسين في كتبه لم يكن تقليداً ومحاكاة للإعجاب العام به من مدرسينا والجيل السابق لنا ممن يعم بينهم الثناء على طه حسين، ولكن سماعي لذلك الصوت دون أن أعرف أنه طه حسين برهن لي أن إعجابي يصدر عن تذوق حر غير مسبوق بمؤثرات الاسم والسمعة وذاكرة الاسم في الثقافة، وهنا تعززت منزلة طه حسين عندي وظلت تتعزز مع مرور الزمن وظلت تلك المصادفة الفريدة تلازم ذاكرتي وتسند إحساسي بأن طه حسين ليس اسماً صنعته شهرته بل هو قوة معرفية حظي بها بموهبته اللغوية والذوقية والفكرية التي جذبت فتى مراهقاً ليشعر أنه كان مع حدث غير عادي مع تدفق الصوت والإيقاع اللفظي والجمالي في التعبير وفي المعاني.
وانعكس هذا على ثقتي بنفسي وبذوقي وأن أعجابي لم يكن مجاراة للتيار العام حينذاك. 

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى