Uncategorized

ديموغرافيا الوباء ووداع الأحبّاء.. هل دفعت الدول المتقدمة صحياًً فاتورة الجائحة ؟

أكرم ألفي وعبدالله أبو ضيف (القاهرة)

أغرقت الدموع عيني إبراهيم وهو يراقب والدته سعاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن هزمها فيروس قاتل في معركة بقاء دارت داخل صدرها الذي طالما احتضن الابن الأصغر، بينما عكس ضوء غرفة العناية المركزة دموع إبراهيم، البالغ 37 عاماً، على زجاج يفصل بين الحياة والموت.
وبعد دقائق فارقت سعاد الحياة، لينهار نجلها ويسقط أرضاً، وسط نوبة صراخ بصوت خافت، لم نسمع منها سوى كلمتين تكررا كثيراً: «أنا السبب.. أنا السبب». 
وقبل شهر من هذا المشهد الدرامي، كان إبراهيم ووالدته الأرملة وشقيقته فاطمة، البالغة 29 عاماً، يعيشان في شقة صغيرة بإحدى الحارات الضيقة في حي السيدة عائشة وسط القاهرة، حيث يملك إبراهيم «كشكاً صغيراً» لبيع السجائر والحلويات، ويعود إلى المنزل متأخراً، حاملاً ما كسبه إلى والدته السبعينية، ولكن يبدو أنه حمل لها أيضاً فيروس «كورونا المستجد» في ليلة غاب عنها القمر.
قصة إبراهيم، هي واحدة من مئات القصص التي تروي كيف تستهدف أنياب فيروس كورونا المسبب لمرض «كوفيد -19» رئات نحو مليونين وستمئة ألف إنسان، معظمهم من كبار السن، للقضاء عليها مستغلاً شيخوخة الجهاز المناعي، إضافة إلى معاناة نسبة كبيرة من أصحاب الشعر البيض من أمراض السكري وضغط الدم واضطرابات الرئة.

وحسب الدكتور، فايد عطية أستاذ علم الفيروسات في جامعة «شانتو» الصينية، فإن القياس الرئيسي في أزمة فيروس كورونا متعلق بنسب الوفيات، لاسيما مع العدد القليل الذي يذهب للمستشفيات، مقارنة مع المعزولين منزلياً، والقياس بناء على النسب الديموغرافية من أهم أنواع القياس، خصوصاً في أوروبا التي تتصدر نسب الوفاة في العالم، رغم تقدمها في الرعاية الصحية.
ويشير فايد إلى أنه مهما كانت الدول تتمتع برعاية صحية جيدة ومرتفعة، فإن ذلك ربما لا يؤثر كثيراً مع الأمراض التنفسية الحادة، مثل «كوفيد – 19»، الذي يصيب فئات عمرية أكثر من غيرها، وينتشر في دول أكثر من غيرها. فقد تسبب الفيروس في وفاة كثيرين من كبار السن، كما ظهرت سلالات جديدة في بلدان مثل جنوب أفريقيا، بينما تتأثر فرنسا وبريطانيا بالسلالة ذاتها أكثر من الدولة التي ظهر فيها للمرة الأولى، وهكذا الولايات المتحدة التي تأثرت أكثر من الصين التي ظهر فيها الطور الأول من الفيروس.

«ودعوا أحبابكم»! 
تشير الإحصائيات إلى أن 75 في المئة تقريباً من الوفيات الناجمة عن «كورونا» في العالم تزيد أعمارهم على 65 عاماً، وتصل النسبة في عدد من المناطق إلى 94 في المئة، كما هي الحال في ولاية إيداهو الأميركية، بحسب بيانات يوليو 2020، وهو ما جرى تفسيّره على أنه تأثير أكبر للفيروس على الأكبر سناً.
وفي بيت إبراهيم الصغير بالسيدة عائشة، استهدف الفيروس أفرادها الثلاثة، تعافى الشاب وأخته سريعاً، بينما عانت الأم أعراضاً قاسية لتدخل غرفة العناية المركزة، ويفشل جسدها الضعيف في الانتصار على «كوفيد – 19». فقد حمل الابن الفيروس وأدخله البيت، ولكن الضحية كانت الأم، بينما نجا هو وشقيقته.

«ودعوا أحبابكم».. هكذا قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في 13 مارس 2020، فيما اعتبر كثيرون هذه الكلمات «نذير شؤوم»، كان جونسون يتحدث بلغة تشرتشل في أوج الحرب العالمية الثانية، عندما صدم البريطانيين بقوله: «ليس لدي ما أقدمه لكم سوى التعب والدموع والعرق».
وكانت كلمات جونسون الصادمة حقيقية، فهذا الفيروس القاتل فتك بكثير من الأحباب؛ أبناء وآباء وأجداداً، غير أن الفئة الأخيرة، ممن يعانون من شيخوخة المناعة ومن أمراض مثل السكري والضغط والسرطان، كانوا الأشد تأثراً بالفيروس. 

استثناءات
ليس ترجمة هذه الحقائق أن كل مسنٍّ مصاب هو في انتظار الموت، أو أن الشباب ناجٍ لا محالة، فقد رأينا كيف تشفى عجوز إسبانية وعمرها 113 عاماً ويموت مصارع ساموراي ياباني لم يتجاوز الثلاثينيات. ولكنها الاستثناءات التي تثبت القاعدة. 
فالأرقام ترسم تراجيدية هذا الوباء، وبحسب بيانات الوفيات بــ«كورونا» في العالم، فإنه من كل 1000 مصاب بالفيروس دخلوا في العقد الثامن يهزم «كوفيد» 120 منهم، بينما ينجح 995 من المصابين في الخمسينيات من عمرهم في الانتصار على الفيروس، والخمسة الذين يخسرون المعركة غالباً من الرجال. ولكن حرب «الوباء» مع الشباب غير المصاب بمرض عضال تنتهي قبل أن تبدأ، في كثير من الأحيان.

وتترجم دراسة لكلية «جونز هوبكنز» للصحة العامة هذه الأرقام بأن احتمال وفاة من تزيد أعمارهم على 65 عاماً تزيد 18000 ضعف عن هؤلاء الذين لم يدخلوا العقد الثالث في عام الوباء.
وتشكل ملايين الأرقام التي تنشرها مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام يومياً عن فيروس كورونا المستجد «شبكة عنكبوتية» ضخمة من البيانات تحاصرنا، فيومياً نستيقظ على أعداد الإصابات التي اقتربت من حاجز الـ120 مليوناً، ورصد الوفيات التي بلغت أكثر من 2.6 مليون إنسان.

رصد المنحنى
والنشرات الإخبارية لا تهتم سوى برصد المنحنى الذي يتصاعد يومياً، فتبدو الصورة أن أميركا تعاني أكثر من غيرها، وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا تعيش المأساة، بينما أغلب بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وضعها أفضل. ويجعل ذلك البحث عن الحقيقة مهمة بالغة الصعوبة، وصياغة السؤال هو بداية الخيط للحصول على الإجابة والسؤال الأهم هو: «لماذا تعاني الدول المتقدمة أكثر من غيرها؟»، والسؤال الثاني: «هل بالفعل هذه الدول تعاني أكثر من دول الشرق الأوسط؟».

الأكثر تقدماً
من المفارقة الغريبة أن يعاقب المجتهد، في ما يكافأ الأقل اجتهاداً. وبعد 70 عاماً من تبني سياسات دولة الرفاهة في الدول المتقدمة نجحت هذه الدول في رفع متوسط العمر المتوقع لسكانها إلى أكثر من 80 عاماً، وزادت نسبة من تزيد أعمارهم على 65 عاماً إلى أكثر من 20 في المئة من السكان، مقابل 5 في المئة فقط في الدول الأقل تقدماً.
ووالدة إبراهيم كانت واحدة من بين 5.5 مليون مصري وصلوا إلى 65 عاماً فأكثر؛ أي 5.3% من إجمالي السكان، بينما في ألمانيا سيلكي كليبومير التي توفيت في عمر الـ71 من «كورونا»، هي واحدة من بين 18 مليون ألماني فوق 65 عاماً، بنسبة 21.3 في المئة من السكان. 
لقد نجحت ألمانيا عبر نظام صحي متطور في توفير الظروف للحياة أطول لسكانها، ولكنها وجدت نفسها أمام «وحش الفيروس» الذي استهدف كبار السن. وهذا الوحش لم تنجح الإجراءات الوقائية، أو توفر أجهزة الأوكسجين، في منعه من الوصول إلى أجساد كثيرين من الأشخاص الأكبر سناً، خصوصاً في الدول الأوروبية.

دور الرعاية
استيقظت مدريد في الـ23 من مارس 2020 على كارثة مروعة، بعثور قوات الجيش على أكثر من نصف نزلاء دور لرعاية المسنين على أسرتهم مفارقين الحياة، بينما يبحث بقية النزلاء عن من يرعاهم بلا جدوى.. هذه المأساة رسمت صورة قاتمة لأوضاع دور رعاية كبار السن في العالم بعد تفشي وباء «كورونا» المستجد.

وفي السويد، ذكر تقرير صحفي، نُشر في مايو 2020، أن 48 في المئة من حالات الوفيات كانت بين نزلاء دور رعاية المسنين، وهو ما دفع سلطات ستوكهولم إلى حظر زيارة هذه الدور. 
وبدا المشهد وكأن دور رعاية المسنين تحولت إلى عنابر للإعدام في أوروبا والبلدان المتقدمة، ولكن الصورة مغايرة تماماً، فعلى رغم من أن تلك الدور فقدت كثيراً من نزلائها، لكنها كانت ملجأً لإنقاذ مئات الآلاف من كبار السن في هذه البلدان. 
وقد نجح كثير من دور الرعاية تلك في توفير رعاية صحية حقيقية لمرضى «كوفيد-19»، ربما فشلت فيه مستشفيات كثيرة نظراً لاكتظاظها بالمرضى. ومن حيث الفشل ظهر النجاح، إذ حالت دور رعاية المسنين دون تحول الوباء إلى مقصلة لا ترحم لكل من تجاوزت أعمارهم 80 عاماً، والذي يبلغ عددهم 40 مليون نسمة في القارة الأوروبية.

سوء الطقس 
وفي هذا السياق، يشير أحمد سليمان الباحث في جامعة «أكسفورد» إلى أن الطقس السيئ أحد أهم عوامل الوفاة بشكل عام، ولا يتعلق ذلك بفيروس كورونا المستجد فحسب، وإنما يتعلق أيضاً بالفئات العمرية المعرضة لموجة الطقس السيئ، وبالتالي يعكس ذلك أسباب انتشار سلالات جديدة مكتشفة في أماكن مدارية، داخل بلدان الطقس السيئ بشكل أكبر.
ويضيف سليمان أن السلالات نفسها تحورت في بريطانيا على سبيل المثال، حيث وصل عدد الطفرات إلى 26، وهو ما يزيد كثيراً على عدد الطفرات في الصين نفسها، التي يُعتقد أن الفيروس نشأ فيها خلال شهر ديسمبر من العام قبل الماضي 2019.

وأشار سليمان إلى أن سرعة الانتشار لهذه الطفرات وصلت لـ70 في المئة أكثر من الموجة الأولى، وبالتالي زادت أعداد الوفيات ونسبتها، مع تفاقم الضغوط على الأطقم الطبية والصحية بمرور الوقت.
وأشار سليمان إلى أن جودة الرعاية الصحية هنا لا يمكن أن تكون عامل نجدة لبريطانيا، خصوصاً أن هذه السلالات تصيب الناس بشكل أكبر، وهو ما يفسر زيادة الوفيات في البلاد الأوروبية خلال الفترة الأخيرة. وذكر أن الطفرة تعني تغير التسلسل للشفرة الوراثية، وهو ما يؤدي إلى تغيير مختلف في بروتين الفيروس قد يؤثر سلباً أو إيجاباً، وفي الدول الأوروبية كانت إيجابية للفيروس، وبالتالي قدرة أعلى على الانتشار.
وأكد أن كل ذلك يؤدي إلى أخذ احتياطات أكثر صرامة في الدول الأوروبية، ودفع الحكومات إلى اتخاذ قرار الإغلاق الكامل أكثر من مرة، لاسيما في فصل الشتاء الذي يزيد من موجة الطقس السيئ؛ بهدف الحيلولة دون حدوث كارثة، في ظل أرقام لم تحدث أيضاً منذ زمن بعيد على مستوى الوفيات، منوّها إلى أن الظروف الحالية، من استهتار وتهاون بعض الناس، بشكل عام، قد تكون سبباً إضافياً في زيادة انتشار فيروس كورونا المستجد.
وفي مصر، لا تزيد وفيات «كورونا» الرسمية على 10 آلاف شخص مقابل 62 ألفاً في ألمانيا. وقراءة مثل هذه الأرقام بعيداً عن فهم الوضع الديموغرافي والتركيبة العمرية للمجتمعات، تقود إلى نتائج ربما خاطئة تماماً، فلا يمكن، على سبيل المثال، إجراء المقارنة بين تطور النظم الصحية في البلدان لمعرفة مدى تأثير فيروس كورونا، نظراً لتداخل عوامل أخرى مثل تسجيل الحالات، وأعداد كبار السن في كل بلد. لذا، لا يمكن إصدار شهادات نجاح لأنظمة صحية أو الحكم بالفشل على أنظمة أخرى وفقاً للأرقام المجردة. 

لغز الفحوص
وإذا احتسبنا عدد الوفيات من بين من تجاوزت أعمارهم 65 عاماً، نجد الرقم في ألمانيا 3380 وفاة لكل مليون، مقابل 1920 في مصر، بحسب الإحصاءات الرسمية. وربما يبدو الوضع أفضل في مصر، بهذه الأرقام الجديدة، لكن إحصاءات مصر للوفيات، في أغسطس الماضي، زادت بنحو 17 ألفاً عن المتوسط شهرياً، وهو ما يجعل الرقم الحقيقي للوفيات أكبر من المعلن رسمياً، حسبما أكد كثير من المسؤولين المصريين. وبحسب بيانات الإحصاء السكاني في مصر للوفيات، وبافتراض أن الزيادة تتعلق فقط بالإصابة بـ«كوفيد – 19» خارج المستشفيات، فإن الرقم المصري سيتحول إلى نحو 11 ألف وفاة تقريباً لكل مليون فوق 65 عاماً.

ويرى الدكتور محمد النادي، عضو اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا المستجد في مصر، أن معدل الإصابات غير دقيق، لاسيما عندما يكون المعدل الافتراضي للإصابات يوازي الضعف عشر مرات لمعدل الإصابات الرسمية المسجلة للأشخاص الذين يذهبون للمستشفيات، ويتم تشخيصهم معملياً باستخدام فحص الـ«بي سي آر»، أو الأشعة المقطعية كأدوات معترف بها. ويضيف النادي، وهو خبير علمي، أن هناك منظومات طبية موازية للنظم الصحية الرسمية، وهو أمر متعارف عليه في كثير من دول العالم، وليس في مصر فقط. ولا يرجع ذلك، بحسب النادي، إلى قلة عدد الفحوص التي تم إجراؤها على سبيل المثال، فدولة مثل الولايات المتحدة الأميركية ذات نسبة مرتفعة جداً في إجراء الفحوص المعملية، ورغم ذلك تظهر فيها دراسات تؤكد أن الأعداد المسجلة أقل من الحقيقية بنسب ليست قليلة.

عقاب
إن ما نراه قد يكون «عقاباً» ديموغرافياً للدول، التي توجد بها نسب أكبر من كبار السن، ولفهم الوضع بشكل أفضل، فإن معدل الوفيات في فرنسا هو 5470 لكل مليون من الأكبر سناً، بينما تبقى أميركا في وضع أسوأ برقم 8769 وفاة لكل مليون فوق 65 عاماً. ويؤكد استشاري الوبائيات في منظمة الصحة العالمية، أمجد الخولي، أن الدلائل والبيانات لدى المنظمة تشير إلى أن فئة المسنين بين الفئات الأكثر تأثراً بفيروس كورونا المستجد، لاسيما فيما يتعلق بالحالات الأكثر شراسة ووخامة من هذا المرض، وبالتالي يؤثر ذلك في نسب الوفيات، مثلما يؤثر في نسب الإصابات حول العالم، بحسب الإحصائيات الواردة إلى المنظمة من جهات القياس الرسمية في البلدان.

وتوزيع الوفيات في العالم، مقارنة بعدد السكان، له علاقة واضحة بارتفاع نسبة كبار السن. وهو ما يجعل قراءة أرقام الوفيات كرقم مطلق خاطئة، كذلك مقارنته بعدد السكان أيضاً تحتوي خطأ منهجياً، فالأصح هو قراءة أرقام الوفيات كنسب من الفئات العمرية، هنا يصبح الوضع الوبائي في إسبانيا ليس أسوأ من باكستان، على سبيل المثال، ولكن الأزمة في طريقة قراءة البيانات الخاصة بالوباء، ومعرفة الفرق بين العدد الكبير من كبار السن في إسبانيا مقارنة بعددهم في باكستان.

المناطق المزدحمة
وحسب الدكتور وفيق مصطفى رئيس الجمعية البريطانية العربية وعضو حزب المحافظين في بريطانيا، فإن هناك العديد من الحالات من أصحاب الأمراض المزمنة توفيت قبل أن يتم تسجيلها بشكل رسمي في معدل الإصابات من الأساس، وبالتالي يمكن التعامل مع معدل الإصابات كعامل قياس، ولكن ليس أساسياً بقدر ما يتم التعامل مع معدل الوفيات السنوي، سواء على مستوى «كوفيد – 19» أو الإجمالي نهاية العام، مقارنة مع أعوام ماضية. وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور وفيق مصطفى أن المناطق المزدحمة تعتبر سبباً رئيساً أيضاً في معدلات انتشار فيروس كورونا المستجد، حيث ظهر ذلك في عدد من دور رعاية المسنين على سبيل المثال، وهو ما زاد من معدل الوفيات في الفئة العمرية ذاتها.

من جهته، قال الدكتور أمجد الخولي استشاري الوبائيات في «الصحة العالمية»: إن هناك نسبة كبيرة من المسنين الذين يصابون بـ«كوفيد – 19» يتعافون من المرض معافاة تامة في حالة حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة، وتلقيهم العلاج الملائم في الوقت المناسب، وإحاطتهم بالاهتمام والرعاية الجسدية والنفسية، ومن المؤكد أن هذا النوع من الرعاية يتوفر في حالة ارتفاع مستوى النظم الصحية وجودة خدماتها وشموليتها.

سراب الأرقام 
اقترب عدد الإصابات بـ«كوفيد – 19» في العالم من عتبة الـ120 مليوناً وقت قراءتك هذا التقرير، ولكن نعتذر فالحقيقة، بحسب كافة خبراء الصحة والمنظمات الدولية، أن العدد ربما يكون 10 أضعاف على الأقل، أي أكثر من مليار نسمة على سطح الأرض أصيبوا بالفيروس. ولكن لأن كوكبنا لا يزال في أغلبه من الشباب والأطفال، فإن «كوفيد – 19» مرّ كسحابة صيف ثقيلة لا تحمل أمطاراً.
ووفقاً لأقلية من الباحثين، فإن رقم الإصابات تجاوز ملياري نسمة؛ أي نحو 30 في المئة من سكان المعمورة اخترق الفيروس أجسادهم. ومن هنا، فإن متابعة عدد الإصابات يومياً تشبه متابعة موظف بسيط لأسهم بورصة «وول ستريت» لا تسمن ولا تغني من جوع!
فهل من المنطقي أن يكون عدد الإصابات في مونتنيجرو الصغيرة يبلغ 103 آلاف إصابة لكل مليون، أي أكثر من 10 في المئة من السكان، بينما لا يتجاوز 15 ألفاً لكل مليون في العراق!.. هل قرر الفيروس أن يهاجم سكان مونتنيجرو، ويتحاشى العراقيين على سبيل المثال؟

وتعتمد أرقام الإصابات على عدد الفحوص التي تتوفر وطريقة تنظيم إجرائها، فهناك دول مثل الإمارات تجري الفحوص للجميع، لتبلغ بها الإصابات نحو 33 ألفاً لكل مليون، بينما تختفي الفحوص تقريباً في نيجيريا، فينخفض الرقم إلى 62 لكل مليون.
ويعني ذلك أن متابعة أعداد الإصابات الإجمالية في العالم يومياً مضللة، فهذه الأرقام مجرد «سراب»، في حين من الممكن معرفة مدى انتشار الفيروس من المجموعات الشابة التي تجري اختبارات شبه أسبوعية، وهي تتركز في لاعبي كرة القدم، بحسب قوانين وقواعد «الفيفا» المنظمة للمباريات بعد انتشار الجائحة.
وفي مصر، على سبيل المثال، بلغت نسبة الإصابة بين لاعبي وإداريي فريق النادي الأهلي، على مدى 4 أشهر 95 في المئة، ولم ينقل إلى المستشفى سوى 4 فقط، بينما خرج الجميع من معركة «الفيروس» من دون حالة وفاة واحدة أو إصابة خطيرة. 
ووفقاً لهذا المعدل، فربما أن نحو 50 مليون مصري هاجمهم الفيروس، ولكن الأعراض الخطرة التي تدفع للذهاب للمستشفيات للعلاج لم تتجاوز 132 ألفاً.

10 أضعاف
ويقول الدكتور محمد النادي، عضو اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا المستجد في مصر، إن «معدل الإصابات المعلن غير دقيق، والمعدل الافتراضي للإصابات يعادل عشرة أضعاف المعدل الرسمي للإصابات المسجلة، فهي إصابات تم تسجيلها لمرضى لجأوا إلى المستشفيات وتم تشخيص إصابتهم بالفيروس معملياً، باستخدام فحص (بي سي آر) أو الأشعة المقطعية».

ويقول الدكتور وفيق مصطفى: «إن الدول ذات الكثافة السكانية العالية لا يمكن الكشف عن عدد الإصابات الحقيقي بها، نظراً لقلة عدد الفحوص التي تجريها هذه الدول، مقارنة مع دول أخرى مثل الولايات المتحدة، التي وصل عدد الفحوص فيها إلى أكثر من 275 مليون مسحة منذ بداية الأزمة».
وفي النهاية، قد نكون أمام خدعة كبرى هي إحصاءات «كوفيد – 19» من وفيات وإصابات تخرج علينا يومياً على شاشات الفضائيات وفي المواقع، والحقيقة أنه يجب قراءة هذه الأرقام بطريقة جديدة، والأهم من ذلك، متابعة عدد الوفيات وحسابها مقارنة بعدد من تجاوزت أعمارهم 65 عاماً. ولابد من مقارنة عدد الإصابات بعدد الفحوص التي تجريها كل دولة دون النظر إلى معدل الإصابات كرقم مجرد، وعندئذ فقط قد تتضح الحقيقة.
وعندما تصبح المعدلات المعلنة على هذه الشاكلة، ربما يفهم العالم ماذا يفعل بنا فيروس كورونا المستجد، وندرك جزءاً من الحقيقة، ولكنها لن تكون كاملة بالتأكيد!

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى