Uncategorized

ثاني الفلاسي.. شاعر اللغة البيضاء

إبراهيم الملا

«خذني معك يا مسيّر /  جدوى عْرُبي وأصدقايا
بوصل معاكم مْسَلِّمْ   /  لو طوّل إبيِه مدايا 
بالرّوف روفوا وحِنّوا  /  وإنتوا بحالي درايا 
بلوف دار الحِبيّب    /  كان إيحصلّي منايا
وأبثّ شكواي تالي    /  لابد يسمع شكايا 
الله عليمٍ بحالي     /  أرقب وصوله ولا يا»

تعبّر القصيدة أعلاه للشاعر المرهف والمبتكر للنسق الأسلوبي الشفّاف في القصيدة الشعبية: «ثاني بن عبود الفلاسي» صاحب اللهجة أو اللغة البيضاء، عن مدى اقتران الوجد الداخلي المبثوث في أبيات القصيدة، بالتوق الجارف نحو إزاحة أو تحييد الحواجز المادية والمعنوية الكثيفة والمانعة من تحقيق المحبّ لمطلبه، وتجسيره بالتالي للهوّة الفاصلة بين واقع الحال، وبين مبتغى المنال، لذلك نجد في مفردات القصيدة وعباراتها الكثير من الإشارات الدالّة على التمنّي والرغبة في تجاوز الحدث الحاضر والمهيمن، من أجل تخطّيه وتجييره على الماضي لا على الراهن.

يقول شاعرنا في مطلع القصيدة: «خذني معك يا مسيّر»، وهي عبارة دالّة دون شك على الرغبة الأكيدة في التغيير والتجديد، لأن المقام الذي يشغله شاعرنا الآن هو مقام ثبات وجمود، بينما يرنو الشاعر لفضاء آخر مغاير يعجّ بالحركة والنبض والتنوّع، فضاء يوقظ المشاعر، ويحيي العواطف، التي طالما عانت من لهفة مطفأة، وشوق متحجّر، وشغفٍ خامد ومؤجّل، إنها حالة العزلة المضاعفة التي دفعت الشاعر للتمرّد عليها، حتى لو كانت وسائل التمرّد قائمة على الرجاء وطلب العون وبث الشكوى بصورة معلنة، بعد أن كانت شكواه منكفئة على نفسها، ولا يرتدّ صداها إلّا إليها.
 وتؤكد المقاطع المتتالية في القصيدة على الرغبة الداخلية الملحّة في الانتقال من الجانب الافتراضي إلى الجانب الآخر الملموس والمتجسّد، كما في الأبيات التالية: «صوب عربي وأصدقايا»، «بوصل معاكم مسلّم»، «لو طوّل إبْيِه مدايا» متنقلاً بالتدريج ومن خلال هذه الأبيات من منطقة «التعميم» إلى منطقة «التخصيص»، حيث يبدأ ببثّ ظاهر الشوق للأهل والأصدقاء، بينما يصرّح فيما بعد أن جوهر الشوق وفحواه موجّه للمحبوب، وأن بوصلة القلب منجذبة له وحده، فهو ساكن في متن الفؤاد ولبّه، وهو محور العاطفة المشبوبة ومركزها وأصلها، لذلك يقول بن عبود: «بلوف دار الحِبيّب / كان إيحصلّي منايا» ويردف هذا البيت بجملة حاسمة، وهي: «وأبثّ شكواي تالي / لابد يسمع شكايا»، ما يؤكد لنا أن كل ما سبق من عزلة موحشة، واغتراب وجودي، ومعاناة متراكمة، إنما سببها الحرمان من الوصل، وانقطاع السبل المُمَهّدة لرؤية المحبوب والاجتماع به والاستئناس برؤيته والحديث معه، ونرى أثر هذا الحرمان واضحاً في الجزء الثاني من القصيدة، وبشكل قاطع لأي تأويل أو لبسٍ أو مداراة، قائلاً: 
«يا حسرتي ضاق بالي / محروم نوم الهنايا
سِلَبْني سيد الغواني / وأدعى جروحي دمايا
كلهم جفوا واتركوني / عشيرتي وأصدقايا
ما لي صديجٍ مثيب / من جيرتي وأقربايا
يا ويل نفسٍ تشقّت / من لاعجٍ في حشايا
لا حّول يا ويل حالي / ناحلْ غدى من بكايا»

ابن المدرسة الأحمدية
ولد الشاعر ثاني بن أحمد بن عبود الفلاسي بمدينة دبي في العام 1946م ، وتوفي – رحمه الله – في العام 1998م عن عمر يناهز الثانية والخمسين. ويذكر الباحث الدكتور عبدالعزيز المسلم أن ابن عبود التحق في صغره بالمدرسة الأحمدية بدبي، ولكن والده منعه فجأة من الذهاب للمدرسة بسبب الاعترا على نوعية الملابس التي يرتديها الطلبة لأنها تحمل الطابع الغربي ولا تمتّ للملابس التقليدية المحلية بصلة، ولكن مع مرور الوقت واعتياد الأهالي على هذه الملابس الجديدة، سمح الأب بإكمال ابنه لتعليمه في المدرسة الأحمدية.
ويشير المسلّم إلى أن الجانب التعليمي الذي حظي به ثاني بن عبود ساهم في إثراء قاموسه اللغوي، وتوظيف هذا الثراء التعبيري في قصائده لاحقاً، وانتقائه للمفردات الشعرية بشكل دقيق، مضيفاً أن مكتبة الشاعر الشخصية كان لها دور مهم أيضاً في صقل تجربته الإبداعية، لأنها احتوت على عديد الكتب والدواوين والمخطوطات الحاوية لمعارف الشعر واللغة والدين، والتي عزّزت ثقافته الذاتية خارج فصول الدراسة، ومنحته أفقاً معرفياً متنوعاً لامس فكره ووعيه وذائقته الشعرية، ونوّه المسلّم إلى أن شاعرنا بن عبود تأثّر في بداياته بالشاعر «أبو الطيّب المتنبّي»، وكان يردد قصائده في جلساته مع أصدقائه والمقرّبين منه.
وأضاف المسلّم أن ابن عبود تربّع في زمنه على عرش الأغنية الشعبية الإماراتية، خصوصاً في أواخر الستينيات وطوال فترتي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، ومن المطربين الذين شدوا بقصائده: علي بن روغة، وميحد حمد، وسعيد سالم، ومحمد حسن، وغيرهم الكثير، حيث كان الشاعر محمد بن سوقات هو صلة الوصل بين ابن عبود وبين هؤلاء المطربين الشعبيين، وأشار المسلّم إلى أن والد الشاعر ثاني بن عبود كان أستاذاً في مهنة «الجلافة»، وهي صناعة السفن التقليدية في الحواضر والمدن الساحلية بالخليج، ولذلك كانت الأسر الغنية في المنطقة تلجأ لوالد الشاعر ثاني بن عبود لإعطائهم الرأي والمشورة في تصميم السفن الراغبين في امتلاكها سواء ما يتعلق منها بسفن الغوص، أو بالرحلات التجارية في حوض الخليج العربي وخارجه.
ويذكر المسلّم أن الشاعر الكبير الراحل حمد بوشهاب نشر في صفحته الشعرية الأسبوعية بجريدة «البيان» الكثير من قصائد ثاني بن عبود، وساهم بذلك في شهرة ابن عبود، نظراً للإقبال الواسع على تلك الصفحة الشعرية التي جذبت القرّاء يعد أن خلقت مساحة خصبة لقصائد الردود والشكاوى المثيرة والمشوّقة بمضامينها وإشاراتها ولغتها القوية.
وأوضح المسلّم أن شعر ابن عبود يميل للقصائد «المهمولة» التي تكون قوافيها حرّة في صدر الأبيات الشعرية، مما يؤكد تأثره بالقصائد الفصيحة التي اطّلع عليها وتفاعل معها مبكراً، ولكنه عندما يكتب القصيدة ذات القافيتين في «الصدر» و«العجز» يبدع فيها أيّما إبداع، لأنه – كما يخبرنا المسلّم – يعدّها كي تغنّى، ومن نماذج هذه النوعية من القصائد تلك التي يقول فيها: 
«هلّ دمع العين يا خلّي / واخترس من يَرْيِهْ إوسادي
كنّه بايت في دجى مطلّي / ليل واتزايد به النادي
شاقني لي شوفه يسلّي / عن لذيذ الطّيب ورقادي
فايجٍ يزهو بلا دِلِّي / وإن رمس بالصوت متهادي
تلّ قلبي من الحشا تلّي / وانشعه من داخل فوادي»
ويشير المسلّم إلى أن مجلس الشاعر حمد بن سوقات في منطقة الراشدية بدبي في السبعينيات والثمانينيات كان أشبه بالصالون الأدبي، وكان له دور فاعل في ارتباط الشاعر ثاني بن عبود بالقصيدة الغنائية وتخصيص قصائد كثيرة من نتاجه الإبداعي لهذا السياق، خصوصاً مع اجتماع شعراء كبار تخصصوا في هذا المجال، وتعاونوا مع المطرب الشعبي الشهير علي بن روغة، ومن هؤلاء الشعراء إضافة لحمد سوقات، شقيقه محمد بن سوقات، والشاعر سالم الجمري، والذين كانوا يتداولون قصائدهم الغنائية ويتدارسونها ويتشاورون حولها مع «ابن روغة» الذي يختار القصائد ويلحّنها في نفس الجلسة، ومن هذا المختبر أو المعمل الغنائي انبثقت أجمل وأشهر الأغاني الشعبية بالإمارات في تلك الفترة، وحفظت بالتالي إرث اللهجة المحلية الأصيلة في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. 

الديوان والوعد 
يشير الشاعر والباحث سلطان العميمي إلى أن فكرة الديوان الذي أصدرته أكاديمية الشعر بأبوظبي، انطلقت من الوعد الذي قطعه الأديب إبراهيم الهاشمي للشاعر الراحل بإصدار كتاب يوثق فيه قصائده الكثيرة والمتباعدة زمنياً، والتي لم يعمل الشاعر ابن عبود على جمعها في حياته.
واشتمل الديوان على عدة فصول، ضمّ الفصل الأول منه سيرة وحياة الشاعر التي أعدها وكتبها إبراهيم الهاشمي تناول فيها نشأته ودراسته وزواجه وثقافته وعمله وعائلته وعلاقته بالأغنية الشعبية ومن ثم وفاته.
وتضمن الفصل الثاني قراءة في التجربة الشعرية المرتبطة بالأغنية الشعبية للشاعر أعدها سلطان العميمي الذي أوضح أن «58 قصيدة من قصائد الديوان تدخل في غرض العاطفة والحب والعتاب، بما يعادل 86 بالمائة من مجموع قصائد الديوان، وهي نسبة كبيرة وملفتة للنظر، وقد يكون مبرر هذا الاتجاه لديه هو دخوله عالم القصيدة المغناة، إذ نجد أن عدد قصائده التي غناها مختلف الفنانين هو 30 قصيدة، أي أكثر من نصف عدد قصائده العاطفية».
كما وثّق الديوان المساجلات الشعرية للشاعر مع غيره من الشعراء، سواء بالشكوى لهم شعرياً أو الرد عليهم، كما ضم الكتاب في آخره مجموعة من الملاحق، منها ملحق قصائد والده الشاعر أحمد ابن عبود الذي رحل عن الحياة قبل سنوات قليلة من وفاة ابنه، ويعود سبب ضمها لهذا العمل إلى قلة عددها وتقاطعها مع التجربة الشعرية لابنه، بما قد يفيد مستقبلاً في دراسة أي نوع من أنواع تأثره بتجربة والده، أو الاختلاف في الأسلوب أو المفردات أو اللغة الشعرية بينهما، كما قال الباحث سلطان العميمي في تقديمه للكتاب.

  • إبراهيم الهاشمي
    إبراهيم الهاشمي

قصائد نادرة
يصف الشاعر والباحث سلطان العميمي شاعرنا ثاني بن عبود بأنه صاحب اللهجة أو اللغة البيضاء الأكثر شهرة واتصالاً بهذا الأسلوب في سجلات الشعر النبطي بالإمارات، وذلك في سياق تحليله لقصائد بن عبود في الديوان الذي جمعه وحققه العميمي بالتعاون مع الشاعر والأديب إبراهيم الهاشمي، والديوان الذي أصدرته أكاديمية الشعر بأبوظبي هو الوحيد الذي حفظ الإرث الإبداعي المميز لبن عبود، وضمّ بين صفحاته عدداً من القصائد النادرة التي لم يسبق نشرها. 

 

 

المصدر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى