Uncategorized

اليابان تحلّق بجناحي الثقافة والتكنولوجيا في «إكسبو»

إبراهيم الملا 

تحلّق اليابان بجناحي الثقافة والتكنولوجيا في «إكسبو دبي 2020» لثبت في كل مشاركة دولية لها أن ثنائية الأصالة والمعاصرة، لا تعني التنافر والتضادّ، بل التصالح والامتزاج، تضرب في سعيها الدائم للتميّز مثالاً ساطعاً في احتضان الإبداع وتنميته منذ المراحل التعليمية المبكّرة، وصولاً إلى الدراسة الأكاديمية المتقدّمة المعنية بالحفاظ على المكاسب الآنية والمستقبلية من خلال الاستثمار الذكي للمواهب المُخْتَزَنة، والطاقات الواعدة في مجالات الابتكار التقني، والتطوّر العلمي، والتأثير الثقافي.
وفي حضورها اللافت بفعاليات «إكسبو دبي 2020»، تقدّم اليابان حيّزاً مهماً للجانب التكنولوجي، كأحد الروافد المكمّلة للمنظومة الشاملة للاستدامة في بعديها الإقليمي والعالمي، حيث تأتي الروافد الأخرى لتكمل هذه المنظومة الثريّة بالفنون والطرز المعمارية والاختراعات الهندسية والخصوصية الثقافية النابعة من الأدب والتشكيل والمسرح السينما والفلكلور والضيافة وثقافة إعداد الشاي والطعام وغيرها.
يقدّم شعار اليابان في «إكسبو دبي» صورة لطيفة لأشخاص يمسكون بأيادي بعضهم بعضاً، وتوحي المثلثات ذات الأشكال والأحجام المختلفة الموجودة في الزوايا الأربع إلى شكل ياباني جديد يتجاوز العرق والعمر والجنس من خلال الجمع بين الناس وتبادل المشاعر، وتعبّر الدائرة الناعمة عن مرونة تتوافق مع يابان المستقبل الذي يزداد تنوعاً.
ويعلّق مصمم الشعار الفنان يوتاكا ماسودا، قائلاً: «هذا الحدث الدولي المهم فتح الباب أمام جيلي، وأتاح لي فرصة المشاركة، لقد حلمت طويلاً بأن أستطيع تمثيل اليابان يوماً ما عبر أعمالي، تضافر الناس يسمح لهم بالالتقاء والتعبير عن المستقبل، أعتقد أن تصميمي سيكون رمزاً لذلك، إن استخدام تصميمي في هذه المناسبة يعطيني أملاً لجهودي المستقبلية؛ ولذلك فإني أريد مواصلة تحسين عملي لكي أسهم في الإضاءة على المستقبل من خلال التصميم».

لقاء الماء والرياح
يرمز تصميم جناح اليابان بـ«إكسبو دبي» إلى التقاء تاريخ اليابان بتاريخ الشرق الأوسط على مر القرون عبر طريق الحرير، ويأتي تأثيره البصري متمايزاً ومتنوعاً حسب زاوية النظر والضوء، كما يتبع جناح اليابان نهجاً متعلقاً بالماء والريح مأخوذاً من العمارة التقليدية، ويستفيد هذا النهج المعماري من أحواض المياه الموجودة أمام الجناح لتكون وسيلة للتبريد، إضافة إلى أنها تعكس صورة الشبكة بشكل لافت، وبهذا الشكل يجسّد الجناح بأكمله بيئة معمارية مستدامة.
وتشير المهندسة والفنانة اليابانية «نوكو ناغاياما» التي قامت بتصميم الجناح إلى استنادها لموضوع «التواصل» في المعرض لتحديد موضوع العمارة كنوعين من التواصل على وجه التحديد: التواصل الثقافي والتواصل التكنولوجي بين اليابان والشرق الأوسط، وتضيف، قائلة: «من ناحية التواصل الثقافي، انطلقت من أوجه التشابه التي يمكننا رؤيتها بين الأنماط الهندسية اليابانية والشرق الأوسط، وقمت باستخدامها في تصميم واجهة تمثل نوعاً جديداً من الشبكات الهندسية الثلاثية الأبعاد وتلعب دور المرشح الثقافي البيئي، وأما بالنسبة للتواصل التكنولوجي، فقد أردت دمج عنصر الماء في التصميم بالاعتماد على تكنولوجيا الماء المستخدمة في منطقة الشرق الأوسط منذ زمن طويل، وأملي أن يؤدي هذا الجناح إلى نشوء روابط مستقبلية بين اليابان والشرق الأوسط، وبين ثقافة الإنسان في هاتين الحضارتين العريقتين».

بدائل طبيعية
صمم جناح اليابان في «إكسبو» بمساهمة كبيرة من مؤسسة «نت فاسيليتيز»  التي تقوم بدعم بنية الاتصالات التحتية على مدى أكثر من قرن من الزمان، مستفيدة في ذلك من أحدث التطورات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتوفير مزيج متطور من الخبرات والتكنولوجيا للطاقة والعمارة التي يتم صقلها عبر نطاق واسع من المجالات المهنية، وفي تعليق لها حول مشاركتها في إكسبو دبي تشير مؤسسة «نت فاسيليتيز» إلى مساهمتها في معالجة القضايا البيئية التي يعنى بها جناح اليابان من خلال البحث عن أساليب جديدة للتعامل مع الطاقة عبر تدابير «إنترنت الأشياء» الخاصة بترشيد استهلاك الطاقة أو استخدام بدائل طبيعية جديدة مثل الشمس والرياح، وغيرها من وسائل توفير الطاقة والبنية المستدامة، وعبر إنشاء أحدث أنواع المباني الذكية، كما أنها تطمح إلى مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري والوصول لمجتمعات خالية من الكربون.

الأرابيسك و«أسانوها»
ورد في مدوّنة المشاركة اليابانية بالحدث العالمي الأهم بدبي، أن اليابان سترحب بضيوفها في جناحها الفخم، من خلال عرض أشكال «الأوريغامي» الزخرفية التقليدية، وسيكون هناك توظيف للثلاثية الملهمة: «مشاركة، انسجام، عمل» واكتشاف الفن، والثقافة، والتقنية، والضيافة التقليدية في اليابان، حيث تجمع واجهة الجناح الياباني بين فني الأرابيسك، و«أسانوها».
ولأوريغامي هو فن طيّ الورق والذي كثيراً ما يرتبط بالثقافة اليابانية، التي تستخدم هذا الفن كمصطلح شامل لجميع ممارسات الطي بغض النظر عن ثقافتها الأصلية، فالهدف في التعريف الشائع للأوريغامي هو تحويل ورقة مسطحة إلى الشكل النهائي من خلال تقنيات النحت والطيّ، ويمكن جمع عدد قليل من طيّات الأوريغامي الأساسية بطرق مختلفة لصنع تصاميم معقدة، ويمكن طيّ الورق ليكون مجسّماً، ويُعدّ طائر الكركي والبطريق أحد أكثر الأشكال شهرة في فن طيّ الورق الياباني، تمّ ممارسة فن الأورغامي منذ عصر الإيدو «1603 – 1867»، تستخدم مبادئ الأوريغامي أيضاً في التعبئة والتغليف وبعض التطبيقات الهندسية الأخرى، وأيضاً في الفضاء، حيث تستخدمها وكالة ناسا الأميركية في صنع المركبات الفضائية.

هندسة قديمة
يأتي التماس الثقافة اليابانية في «إكسبو دبي» وبشكل حسّي ومباشر من خلال الهندسة المعمارية القديمة المعروفة بالرومانجي المتميّزة بهياكلها الخشبية، وتعد اليابان اليوم من الدول الرائدة في ابتكار التصاميم المعمارية والتكنولوجية.
وكان دخول البوذية لليابان في القرن السادس عشر عاملاً مساعداً على بناء العديد من المعابد على نطاق واسع باستخدام تقنيات معقدة في الخشب. وقاد التأثر بسلالة «سوي» و«تانغ» الصينيتين بإنشاء العاصمة الأولى «نارا»، وأدت زيادة أحجام البنايات إلى تبني وحدات قياس خاصة، بالإضافة إلى تحسينات في التصاميم وخاصة تصاميم الحدائق، كما أثّرت حفلات وطقوس إعداد الشاي الياباني  في البساطة والتصميم المتواضع والسلس، بعيداً عن البذخ والتكلّف. وكما يرد في المدوّنات التاريخية، تم التغيير الجذري في تاريخ الهندسة المعمارية اليابانية في حقبة «ميجي» الإصلاحية عام 1868 بعد ظهور حدثين مهمّين، كان الأول هو قانون الفصل بين «الكامي» و«البوذا» عام 1868، الذي فصل رسمياً المعابد البوذية عن مزارات الشنتو، وكسر العلاقة الموجودة بين الاثنين والتي استمرت ما يزيد على ألف سنة، أما الحدث الثاني، فهو أن اليابان قد خضعت لفترة من التغريب المكثّف من أجل منافسة غيرها من الدول المتقدمة، في البداية تم استيراد مهندسين معماريين وأنماط من الخارج إلى اليابان، ولكن تدريجياً بدأ اليابانيون في تأهيل المهندسين المعماريين الخاصّين بها، والذين بدؤوا في التعبير عن أسلوبهم المتفرّد، وعرض المهندسون المعماريون الذين درسوا في الغرب عند عودتهم نمط الحداثة المعماري الدولي على اليابان، ومع ذلك، لم يترك المهندسون المعماريون اليابانيون انطباعاً على الساحة الدولية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً وأن العمارة اليابانية تمتاز بوضوح الإطار المشهدي من الناحية الجمالية والشكلية والهيكلية.

حوار مع البيئة
يستعرض «إكسبو دبي» أعمالاً لأهم المعماريين اليابانيين وكيفية توظيفهم للمفاهيم التقليدية لتكوين فضاءات فعلية يتردد فيها صدى الحداثة والمعاصرة، وعلى الرغم من النظرة التقليدية للعمارة على أنها مساحة للاحتواء، وأنها تكون موجودة بمعزل عن العالم الخارجي، لكنها تدخل في الوقت ذاته في حوار مع البيئة المحيطة بسكّان المنزل.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى