Uncategorized

إدغار موران.. مغامرة الهوى والمنهج

نيقولا تريونغ
ترجمة: أحمد عثمان

بسبب «الشره الثقافي»، لم يفقد إدغار موران، المولود في 08-07-1921، فضوله الطفولي، ولم ينسَ شيئاً من طموحات مراهقته، ولم يكبل مقدرته على المقاومة، طيلة هذا العمر المديد. وقد عرف بالتحاقه مناضلاً طوعياً في «المقاومة»، وخلال انخراطه في القوى الفرنسية المحاربة (1942-1945)، التزم في النضال ضد المحتل النازي، وتحديداً في شبكة الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، رغماً عن رفضه القاطع لتسمية الألمان حينها بـ«القذرين»! وقد ناضل أيضاً في الحزب الشيوعي، قبل أن يهجره في عام 1949، لئلا يؤمن بـ«الكذبة السوفييتية»، وقد دون نقده الذاتي بهذا الشأن. كما، اجتهد أيضاً في فهم التعقد الأنترو-اجتماعي للإنسانية بإدراج الأبعاد البيولوجية والتخيُّلية. ومنذ كتابه «مدخل إلى سياسة الإنسان» (1969)، يبيّن هذا السوسيولوجي -بمفهوم سوسيولوجي الوقت الراهن- تشخيصاً وأخلاقية معينة لمشاكل عصرنا الرئيسية، من تحليل صراع الشرق الأوسط إلى الإلحاحية الإيكولوجية، كما تابع كذلك بلا كلل عمل المقاومة العقلانية، السياسية والثقافية.
ولد إدغار موران في بباريس. ونال مؤهلات في التاريخ، والاقتصاد والقانون. وبدأ عمله في المركز الوطني للأبحاث العلمية، وتابع أبحاثه السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية، حاملاً همّ الحوار والتقاطع بين مجالات معرفية متعددة. ومن أهم كتبه التي ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية: «الإنسان والموت»، و«مدخل إلى سياسة الإنسان»، و«روح الزمن»، و«من أجل الخروج من القرن العشرين»، وكذلك «علم بوعي»، و«المعارف السبع الأساسية لتربية المستقبل»، و«نحو سياسة الحضارات»، و«عنف العالم» (بالاشتراك مع بيار بورديو). و«يوميات كاليفورنيا» و«الأرض-الوطن».. إلخ. وفيما يلي حوار مع إدغار موران عن فكره وعصره، سيرته ومسيرته الممتدة لقرن من الزمن*.

في سن التاسعة، أخفوا عنك وفاة والدتك، إخفاء طالما عانيت بقوة منه باعتباره «محنة شخصية». كيف أثر هذا الحدث في فكرك؟
قادني هذا الجرح نحو نزعة شك عميقة، شك لانهائي، ومن ثم قراءة مونتاني، وأيضاً التراجيديين مثل باسكال ودوستويفسكي. فهذا الحزن الشديد قادني إلى شيء من صوفية الحب، ومتأخراً نحو فكرة الأرض-الوطن الأساسية. وبالنظر إلى الماضي، ربما كان التزامي بالشيوعية فُهم على أساس كونه بحثاً عن الغطاء والعائلة الجديدة، رؤية أمي بين الأحياء، طريقة للحد من هذه المساحة من العدم. هذه المعاناة التي عشتها في طفولتي قربتني من شكل من الحنو تجاه الظرف الإنساني. لم أكف عن التقلب بين الرفض العدمي والحماسة الإنسانية، البحث عن المعنى والشك فيه. كنت بذلك أيضاً إلى جانب «الرابطة»، أي ما يربط الذوات الإنسانية بالسلام الأرضي أو الكوني.

واجهت الموت، حينما انخرطت في القوى الفرنسية المحاربة ضد الاحتلال النازي، من عام 1942 إلى عام 1945. كيف انضممت إلى المقاومة؟
هذه التجربة الفريدة مدونة في إطار تاريخي كبير يتجاوزني. التاريخ يكتب، من الاتحاد السوفييتي إلى المحيط الهادي ومن المحيط الأطلسي إلى الأورال. اندفعت نيران الحرب العالمية (الثانية) إلى كافة القارات. كانت التعبئة شاملة. كشخص عادي، كنت طالباً مسيّساً ومسالماً، وكنت ضد إشاعة أجواء الذعر. مع رفاقي، كنا مراهقين وقت قدوم هتلر إلى السلطة في ألمانيا، وحرب إسبانيا، واتفاقات ميونيخ. كان العالم يسارع الخطى نحو الحرب، وكان هذا يثير القلق ويحمّسنا لمواجهته، في الوقت نفسه. بعد الانهيار المفاجئ للجيش الفرنسي في يونيو 1940، هربت إلى مدينة تولوز حيث قابلت عدداً من المثقفين والمواطنين العاديين الذين بدأوا في المقاومة، منذ خريف 1940. كانوا هم الأكثر شجاعة، لأن فرنسا وقتذاك كانت راكعة والفيالق الألمانية تجتاح أوروبا كلها. كان الأمل ضعيفاً، وشبكات المقاومة شبه معدومة. كأن الليل قد أرخى سدوله على القارة بشكل مُطبق.
قليلون من يتساءلون اليوم ماذا كانوا سيفعلونه في مكانك حينها. ما الذي قادك إلى الالتزام والمقاومة؟
كنت أبلغ العشرين من عمري، أريد أن أعرف الحياة، الحب، المغامرة. وددت أن أحيا بشدة. كنت أفهم أنني إذا أردتُ البقاء حياً ببساطة، أي أن أحتفظ بحياتي بأي ثمن، فإن عليّ أن أختفي. وهكذا أن أحيا لنفسي، أي أن أقذف بنفسي إلى هذه المغامرة، مغامرة الحرب العالمية. دوّنتُ شيئاً من المذكرات. ذات مساء، كنت أنصت إلى افتتاحية أوبرا «المركب الشبح» لريتشارد فاغنر عبر المذياع، وسمعت نداء: من الضروري الرحيل، الرياح تشتد، من الضروري العمل على الحياة. وبالتالي، كتبت في مذكراتي: «يا عواصف المركب الشبح، احمليني»، وهو كلام مسهب قريب مما كتبه شاتوبريان في «رونيه» إلى حد ما: «اشتدي أيتها العواصف المرغوبة!». هو ذا ما أمدني بالحماسة.
كل ما هو عظيم يحقق الهوى، كما قال هيغل. وكذلك تحدث كانط بدوره عن حماسة تمثُّل التاريخ. كيف تبدت هذه الحمية لديك؟
جعلتني أخوة المقاومة، أخبار معركة ستالينغراد، انتصارات الحلفاء والإنزال (على النورماندي) أحيا أجواء الحماسة. فالتحرير يقترب، ومن الضروري ذكر هذه المفارقة: كنت أحيا تراجيديا العصر، أحيا قلق اعتقالي، معاناتي، ونجوت مراراً من الموت… ولكن رغماً عن هذا القلق وهذه الدراما، كنت أيضاً سعيداً. كنت متصالحاً مع نفسي، نذرت نفسي لقضية سامية، انضممت إلى لعبة كونية لأجل سلام الإنسانية. كان هذا العصر التراجيدي، للمفارقة، مرحلة البهجة الكبرى! لا أريد أن أجمّل الأشياء ولا أن أضفي طابع الأسطورة على المقاومة. ولكن التيارات المتباعدة -اليمين القومي واليسار الأممي تحديداً- عرفت كيف تقترب من بعضها بعضاً، وكيف تتعلم العيش معاً. في بادئ الأمر، من كانوا يكرهون المهاجرين والغرباء انفتحوا ووجدوا مجالاً للعمل مع «الأحرار -والأنصار- والأيدي العاملة المهاجرة» كحركة FTP-MOI (1)، مثلاً. لم أستطع يوماً أن أطلق على الألمان لفظة «القذرين»، مفضلاً إدانة النازيين فقط بدلاً من خيار الحقد على شعب بأسره أو أمة كاملة.
تكلم الشاعر والمقاوم رينيه شار في «أوراق هيبنوس» (1942-1944) عن «أريج هذه السنوات الجوهرية» واعتبرها بمثابة «كنز». هل تستعمل أنت أيضاً هذه الكلمة؟
لم أستعمل حتى الوقت الراهن كلمة «كنز» فيما يتعلق بلحظات النشوة التاريخية، ولكن أعتمدها استعادياً لكي أنعت هذه اللحظات الخارقة التي تجعلنا نبلغ أفضل ما فينا في إطار الأخوة الإنسانية الأصيلة. أعتقد أنها كلمة مناسبة تماماً. ولكن من اللازم أن نستدعي أيضاً شيئاً مهماً آخر: بعد التحرير، كانت هناك أحداث مؤسفة: إعدام نسوة اتهمن بعلاقات مع الألمان. عدالة سريعة مكسوة بكثير من الظلم. كما قال رينيه شار في هذا النص أيضاً: «أرتاع من الغليان الذي سوف يشبه يرقان السنوات التي ستعقب الحرب. أستشعر أن إجماع الآراء، وسعار العدالة، سيستمران لفترة قصيرة، تجذب من فورها الخيط الذي يربطنا بمعركتنا»… لا نعرف أن نقول شيئاً أعمق من ذلك.
مسيرتك متجاوزة لكافة العلوم في «المنهج» (2004)، ونتاجك موسوعي.. كيف يسمح لك «الفكر المعقد» بإدراك مجالات شاملة، متعددة، وأحياناً متباعدة؟
حذار، لا أسمح بالعودة إلى شكل من الشمولية الهيغلية، إلى نسق يحيط بشمولية الكائن. على العكس، يبين «الفكر المعقد» أن المعرفة الكلية مستحيلة، لأننا لا يمكن أن نحذف عدم اليقين كلياً. في «المنهج»، تحديداً وضعت النزعة الحوارية، التي تربط بين مبدأين متناقضين لكي أفكر في المسارات المؤسسة للحياة والتاريخ الإنساني، في محل الديالكتيك، الذي ينشد تجاوز المتناقضات. بدلاً من فكرة التجاوز (وهي أحياناً صائبة)، أحفظ عن هيغل أن مفهوم التناقض يقع في قلب الذات، الحياة والفكر. وكما قال باسكال، «مصدر كافة البدع يتأتى من عدم إدراك الاتفاق بين حقيقتين متعارضتين». لا دراية بلا هوى، وكذلك لا يمكن أن نتحصل على هوى من دون دراية. وإذن فـ«الفكر المعقد»، الذي أدافع عنه، ينطلق من الكلمة اللاتينية Complexus، التي تعني «المتشابك مع بعضه بعضاً»، لكي أعالج بذلك التوتر الدائم القائم بين الطموح إلى المعرفة غير المجزأة، غير المقطعة، غير المختزلة، ومعرفة عدم الإنجاز والشعور بالنقص تجاه المعرفة. لا يعني لفظ «تعقيد» هنا بأي حال لفظ «مركب»، بل لعله أقرب  إلى معنى «معتم» نوعاً ما أو «عويص»، وهكذا فهذا الشكل الفكري الذي يربط الكل إلى أجزائه، يُمفصل بدلاً من أن يجزئ.

هل أفضى الغليان الثقافي و«الهيبي» في كاليفورنيا خلال نهاية الستينيات، الذي كتبت عنه يوميات جميلة، إلى هذا التعديل أو التحول الفكري؟
دُعيت من قِبل معهد سالك للأبحاث البيولوجية في 1969-1970، وكانت تجربة حياتية وفكربة لا تنسى، فقد انغمرت في فوران الثورة البيولوجية بفضل جاك مونو، وفي نظرية روبرت فاينر وغريغوري باتسون عن الإعلام والسيبرنطيقا، واستغرقت في قراءة أعمال الرياضي رينيه ثوم عن الفوضى، والبيولوجي هنري آتلان عن التنظيم الذاتي أو إيلا بريغوجين عن فيزيقا الفوضى. وأنجزت توليفة، فأعددت منهجاً يهدف إلى الربط بين جميع حقول المعرفة والذات، من دون نوستالجيا المعرفة المطلقة.
أليست فلسفتك، في جوهرها، بيانا ضد «الفكر المفكك»؟
بالتأكيد، ولكني لا أفعل شيئاً هنا سوى أن أسجل نفسي ضمن النسل الإنساني المتحدر عن عصر النهضة، مثل بيكو ديلا ميراندولا (2)، «أمير العلماء»، الذي كان يرى أن كل معرفة مرتبطة بكل أكبر، وبالمثل أن كل خلية من خلايا جسدنا جزء منه ككل. ومع ذلك، يتأسس نمط تفكيرنا على الفصل المطلق بين الإنساني والطبيعي. فكل ما هو طبيعي في الإنسان قابع في أقسام البيولوجيا بالجامعات، والعلوم الإنسانية لا تنشغل الا بجانبه الثقافي فقط. وهذا التقسيم للعلوم يمنعنا من عقد مقارنة بين الأجزاء والكل، إذ إن الفكر الغربي المهيمن لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الفصل أو الاختزال. بيد أن هناك بعض الاستثناءات، مثل استثناء بليز باسكال.
في فرنسا، الحوار السياسي أو المفهومي حول أعمالك يبدو خصباً. ألهذا السبب ترغب في أن لا تقوم بدور «العالم الثقافي»؟
هنا، أنا مرفوض من قبل العقل العلمي المنغلق الذي يرى أن كل ما هو خارج التخصص ثرثرة خالصة. أنا مجهول لدى النقاد الذي يعنونون كتاباتهم بعناوين «الأدب»، و«الفلسفة»، و«السوسيولوجيا»، و«التاريخ»، و«العلوم». ولكي أستكشف حقول المعرفة، أنا مخالف. وبينما أرى نفسي فيلسوفاً، مؤرخاً، سوسيولوجياً، كاتباً، ألقيت شباكي في كل هذه الفروع العلمية. وطريقتي في الانتماء إلى اليسار غير مفهومة لدى الأحزاب وفصائل مثقفي اليسار. وبعبارة واحدة، أنا خارج سباقات وسياقات السلطة الثقافية.

إخلاء التاريخ واجتياح المخيلة!
كتابك الأول عن الأنتروبولوجيا النظرية «الإنسان والموت»، الصادر في عام 1951.. أهو يحمل أيضاً بصمة صدمات الحرب والطفولة؟
الأمر كذلك بلا ريب. خرجت من اختبار جعلني أغطس إلى قلب المفارقة الإنسانية: الخوف من الموت والقدرة على المجازفة بالحياة. في العلوم الإنسانية، خارج النصوص الرئيسية، مثل نصوص سيغموند فرويد وكارل يونغ وأوتو رانك، هناك القليل من المكتوب في هذا الموضوع. ولذا بحثت بمفردي، متجاوزاً كل التصنيفات العلمية التقليدية. 
هل تعتبر هذا العمل بمثابة كتاب تكوين؟
يمثل «الإنسان والموت» كتاب تكوين ذاتي، قالباً لمنهجي المستقبلي. بطريقة ما، ظللت وفياً لماركس، الذي ربط بين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة. وأضفت بدوري إليه البعد الرمزي والخرافي والتخيُّلي، كأبعاد تبني الأشخاص والمجتمعات الإنسانية، بدلاً من النظر إليها كـ«بنى فوقية»… وهذا ما أدركته أيضاً مع كتابي عن السينما، «الإنسان الخيالي»، الذي بينت في متنه اجتياح المخيلة من لدن آلة تقوم بعرض العالم الموضوعي، وتعرض صور أحلامنا!
لقد كتبت: «قال كلود-ليفي ستروس إن هدف الأنتروبولوجيا ليس كشف الإنسان وإنما تذويبه وتغييبه. أفكر في العكس». لماذا لا يمكن أن تتعايش النزعة المضادة للإنسانية النظرية مع الإنسانية التطبيقية؟
من دون شك، من الممكن أن تتعايشا، ولكن يبدو لي أنه يمكن «إخلاء» التاريخ، الكاتب أو الموضوع بحركة نظرية، كما دعتنا السريالية إلى ذلك. فـ«إنسان العقل» هو أيضاً إنسان اللاعقل. إنه ليس فقط الإنسان الذي يصنع الأدوات وإنما أيضاً الإنسان الخيالي الذي ينتج الأساطير. ليس فقط الإنسان الاقتصادي، الناضج الواعي بحاجاته الشخصية، بل أيضاً الإنسان الذي يلهو، يتجاوز، ينفق. يبقى ويُتمثل في التعبيرات النثرية، ولكن يحيا حقاً في الشعر، الحب، الاتصال، الفرح.

(*) Nicolas Truong، Entretien avec Edgar Morin، Philosophie magazine، Numero 15.
(1) حركة مقاومة مسلحة خلال الاحتلال النازي. (المترجم)
(2) جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا (1463-1494)، فيلسوف ولاهوتي إيطالي، بحث في الثيولوجيا القديمة، درس وألف بين مبادئ العقائد الفلسفية والدينية المعروفة وقتذاك، وتحديداً الأفلاطونية، والأرسطية، السكولائية والقابال المسيحية. (المترجم)

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى